حرب تشرين



حرب تشرين التحريرية أو حرب أكتوبر، أو حرب يوم الغفران كما تعرف في الكيان الصهيوني، هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، وفيها حقق الجيشان السوري والمصري نصراً تمثل بإصابة الأهداف الإستراتيجية من خلف المباغتة العسكرية للقوات الإسرائيلية على جبهتي الجولان السوري وسيناء المصرية.

في 6 تشرين الأول عام 1973 الموافق 10 رمضان 1393 هجري، قام الجيشان السوري والمصري بالهجوم على القوات الإسرائيلية على جبهتي الجولان وسيناء، حيث تعرض الجيش الإسرائيلي لضربات محكمة وتمكن السوريون من التوغل في عمق هضبة الجولان بعد تدميرهم لخط آلون المشدد الحماية وصولاً إلى بحيرة طبريا، بينما توغل الجيش المصري 20 كم شرق قناة السويس بعد أن تمكن من عبور القناة وضرب خط بارليف الإسرائيلي الأشبه بحصن الذي لم يجدي من منع التقدم.

هذه الحرب هي أهم جولات الصراع العربي الإسرائيلي حيث اتفقت القيادتان السورية والمصرية على شن هجوم في وقت واحد على إسرائيل، لتخليص الجولان وسيناء من الاحتلال الإسرائيلي الذي استولى عليهما في حرب 1967، وكانت إسرائيل قد عززت تحصيناتها على الجبهتين بين 1967 و 1973 وأنفقت أموال طائلة.

اتفق الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس الراحل أنور السادات على أن تكون الساعة الثانية ظهراً من يوم 6 تشرين الأول هي ساعة الصفر، وهو اليوم الموافق لعيد الغفران اليهودي، وعندها شنت القوات السورية هجوما على تحصينات وقواعد الجيش الصهيوني في هضبة الجولان ودمرها كلياً، وأحكم في الأيام الأولى سيطرته على قمة جبل الشيخ.

وشنت الطائرات السورية ضربات عنيفة على المواقع العسكرية الإسرائيلية، ومرابض المدفعية والدبابات ومحطات الرادار وخطوط الإمداد، فتقدمت الدبابات السورية في هضبة الجولان بينما تشتت الجيش الإسرائيلي الذي تلقى ضربات من كل مكان في الجولان، وفي اليوم التالي تمكنت القوات الخاصة السورية عبر عملية إنزال جوي من السيطرة على مرصد جبل الشيخ وأسر 31 جندياً إسرائيليا وقتل 30 آخرين، ثم رفع الجيش السوري العلم السوري على أعلى قمة في جبل الشيخ، لتتراجع الوحدات العسكرية الإسرائيلية وأخلت اسرائيل مدنييها في مستوطنات الجولان.

على الجبهة المصرية، قام الجيش المصري بحشد 300 ألف جندي بمختلف صنوف الأسلحة، وأغلقت البحرية المصري مضيق باب المندب بوجه الملاحة الإسرائيلية ما فرض حصاراً على الكيان الصهيوني، وقامت الطائرات المصرية على ارتفاع منخفض بمباغتة المواقع العسكرية الإسرائيلية وضربها واخترقت القوات المصرية خط بارليف الممتد لنحو 160 كم على طول الشاطئ الشرقي لقناة السويس خلال ست ساعات، وبعد تدميره عبرت الدبابات المصرية قناة السويس على جسر مائي تم مده من قبل قوات المدرعات المصرية وتوغلت في صحراء سيناء، واستطاع الجيش المصري منع الإسرائيليين من استخدام خطوط النابالم المعدة كتحصينات بعد ضرب مواقعها.

قامت إسرائيل بهجوم مضاد على الجبهتين، فعلى الطرف السوري هاجمت بثلاثة ألوية  مع تركيز الجهد على المحورين الأوسط والجنوبي بين يومي 8-10 تشرين الأول، ودارت معارك عنيفة وانضمت أسراب من الطيران العراقي إلى القوى الجوية السورية.

بعد ذلك دفعت القوات الإسرائيلية بستة ألوية مدرعة الذي يشكل جيشها الاحتياطي، ليرد السوريون بهجوم صاروخي في الداخل الإسرائيلي على قرية "مجدال هاعيمق" والقاعدة الإسرائيلية رامات ديفيد.

وعلى الرغم من نجاح الإسرائيليين بخرق الخط الدفاعي الأول للجبهة السورية، لكن بقيت محاولاتها دون جدوى من قلب التوازن الإستراتيجي بسبب صمود الفرقتين الآليتين السابعة والتاسعة في الجيش السوري على محور سعسع، وقدرة الفرقة الخامسة على محور الرفيد وإفشال الهجوم الإسرائيلي، وانضمت إلى خطوط الدفاع الفرقة العراقية السادسة، واستطاع خط الدفاع الصاروخي السوري أرض- جو من شل قدرات الطيران الإسرائيلي.

وعلى الجبهة المصرية، شن الإسرائيليون هجومهم المعاكس صباح يوم 8 تشرين الأول باستخدام لواءين مدرعين فشلا باختراق القوات المصرية، وفي ظهيرة اليوم نفسه فشل لواءين آخرين للجيش الصهيوني من النجاح بهجوم مماثل، إلى اليوم التالي فشل لواءان آخرين لمدرعات الجيش الصهيوني من تحقيق أي نصر لتحافظ فرق المشاة المصرية على مواقعها، ولم يشن الإسرائيليون أي هجوم مركز بعد هذا اليوم.

طور المصريون هجومهم فيما بعد، لكن هذا الهجوم فشل بسبب ما عزاه رئيس هيئة الأركان المصرية الفريق سعد الدين الشاذلي إلى خطأ ارتكبته القيادة السياسية المصرية، حاولت التذرع لإخفائه بتخفيف الضغط على الجبهة السورية، ومع ذلك فقد تم للقوات المصرية تحرير سيناء من التواجد العسكري الإسرائيلي.

في آب عام 1973 ذهب السادات في زيارة سرية إلى الرياض وأبلغ الملك السعودي الراحل فيصل بأن الحرب قريبة دون أن يبلغه بموعدها، وطلب إلى دول الخليج أن توقف ضخ البترول للغرب في حال نجحت خطة الهجوم العربية، وفي 17 تشرين الأول اجتمع وزراء النفط العرب في الكويت وتقرر خفض إنتاج النفط بمعدل 5% شهريا مع رفع سعره من جانب واحد.   

وفي 19 من نفس الشهر طلب الرئيس الأمريكي من الكونغرس مساعدات عاجلة لإسرائيل بقيمة 2.2 مليار دولار فأوقف العراق والسعودية والإمارات والجزائر وليبيا ودول عربية أخرى ضخ النفط لأمريكا ما خلق أزمة طاقة لدى الولايات المتحدة.

مدت أمريكا جسراً جوياً للمساعدات العسكرية لإسرائيل، وتكفل الاتحاد السوفييتي بتأمين السلاح للسوريين والمصريين، وفي 22 تشرين الأول أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 338 القاضي بوقف جميع الأعمال العسكرية، فقبلت مصر بالقرار ونفذته مساء اليوم نفسه، لكل الإسرائيليين خرقوا القرار ما دفع بمجلس الأمن لإصدار قرار ثاني ملزم بوقف الحرب في اليوم التالي.

لكن سوريا لم تقبل بالقرار واستمرت بالقتال، فبدأت حرب الاستنزاف التي استمرت 82 يوماً مع ضغط كامل على الجبهة السورية، فشنت مع بدايات العام 1974 هجوماً على مرتفعات الجولان كبدت فيه الجيش الإسرائيلي خسائراً جمة، ما أجبر الإسرائيليين على الانسحاب من شريط الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها مدينة القنيطرة، وتوصلت الولايات المتحدة عبر جولات مكوكية لوزير خارجيتها هنري كيسنجر إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، وبذلك توقفت العمليات في آيار 1974، ورفع الرئيس الراحل حافظ الأسد العلم السوري في 24 حزيران 1974 في سماء القنيطرة المحررة، والتي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي إلا بعد تدميرها، ولم يقبل السوريون إعادة إعمارها حتى عودة جميع أجزاء الجولان السوري المحتل.

شارك على الجبهة المصرية، قطع عسكرية من العراق والكويت وتونس وليبيا والسودان، وعلى الجبهة السورية شاركت قطع عسكرية من العراق والأردن والمغرب والكويت والسعودية.

تطور قرار وقف إطلاق النار إلى اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل عرفت باتفاقية كامب ديفيد في الولايات المتحدة الأمريكية إثر زيارة قام بها الرئيس أنور السادات إلى القدس، بينما لا تزال اتفاقية وقف إطلاق النار سارية المفعول بين سوريا وإسرائيل إلى يومنا الحالي كهدنة حربية.

سميت عمليات عبور الجيوش العربية بعملية بدر، ولا تزال كل من سوريا ومصر تحتفلان بذكرى حرب تشرين التحريرية إلى الوقت الحالي في السادس من تشرين الأول من كل عام.