بحكم قضائي.. مغادرة الوطن "مخالفة للآداب" وسبباً للإخلاء.. فما مصير منازل المغادرين؟

بحكم قضائي.. مغادرة الوطن "مخالفة للآداب" وسبباً للإخلاء.. فما مصير منازل المغادرين؟

رابط مختصر


المصدر: عاجل - أروى شبيب
القسم: تحقيقات
12 شباط ,2018  20:08 مساء






أصدرت محكمة الصلح المدني بدمشق  قرار إخلاء أثار في مبرراته الكثير من الجدل، حيث أصدرت القاضية مريم عبد الله العرفي حكماً بإخلاء منزل على اعتبار مغادرة المستأجر للبلاد "مخالفة للآداب العامة".
وفي التفاصيل رفع أحد ملاك المنازل دعوى ضد مستأجره الذي ترك العقار السكني الواقع وسط دمشق (منطقة الحلبوني) والخاضع للتمديد بحكم القانون كون الإيجار معقود قبل تاريخ نفاذ القانون 6 لعام 2001، واعتمد المدعي "صاحب العقار" في دعوى الإخلاء على علة الترك مدعياً أن المستأجر غادر المأجور لمكان غير معلوم ويقال إنه استقر خارج البلاد، وأبرز من ضمن وثائق الدعوى بيان مغادرة المستأجر مع أسرته للقطر منذ سنتين.
وقبل تبلّغ المستأجر الدعوى والشروع بالمحاكمة، أجرت المحكمة وصف حالة راهنة للعقار، (وصف الحالة الراهنة وسؤال الجوار يعتبر إجراء جوهري وحاسم في مثل هذه القضايا، وله تأثير جوهري على مجرياتها، باعتبارها من الدعاوى التي تلعب فيها السلطة التقديرية للمحكمة دوراً حاسماً)، لم تتمكن من دخوله بسبب عدم فتح باب المأجور، فقرعت المحكمة باب المنزل المجاور وسألت الجار عن المستأجر، فأفاد بأنه غادر مع أفراد أسرته منذ عامين للسعودية.
وبعد الشروع بالمحاكمة استمعت المحكمة لشهود المدعي الذين أثبتوا مغادرة المستأجر للسعودية، في حين أكد شهود المدعى عليه أن مغادرته للسعودية مؤقتة وهي بسبب الظروف التي يمرُّ بها الوطن، وبقصد العلاج وأن المستأجر لم يستغن عن المأجور، بدليل بقاء أثاثه نفسه بالمنزل.
تمسك المستأجر باجتهاد حديث لمحكمة النقض يفيد بأن مغادرة المأجور بسبب الظروف الأمنية التي يمر بها الوطن ونزوح الناس من المناطق المضطربة تعتبر بمثابة القوة القاهرة، في حين ردَّ المدعي على هذا الاجتهاد معتبراً إياه مخالف للنظام العام والقانون والدستور وأنه شاذ لا يجوز القياس عليه، واستند في رده على مجموعة من الاجتهادات القضائية التي تؤيد أقواله.
ليأتي قرار المحكمة بحكم إخلاء العقار واعتبار المستأجر مستغنياً عن المأجور، إلا أن اللافت بالحكم كان رد المحكمة على مغادرة المستأجر المؤقتة للوطن، حيث اعتمدت المحكمة في رأيها على مقاطع فقهية للعلامة السنهوري حول الآداب العامّة، وسلوك الرجل المعتاد كربّ أسرة عاقل لا يجوز أن يخالف الآداب العامة، وبعد ذلك خلصت المحكمة لنتيجة مثيرة للجدل مفادها أن: "المجتمع السوري نشأ على حبّ الوطن ويعتبره من الإيمان وهو مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية، وهو منتشر في كافة المجتمعات، وطالما أن المستأجر يقيم في إحدى أكثر المناطق أمناً في البلاد (وسط دمشق) فقد خالف (بمغادرته البلاد بسبب الأحداث) الآداب العامة المستقرة بمجتمعنا، وسلوك الرجل المعتاد، فلا يسوغ ترك الوطن إلا عند طرده منه من قبل العدو الغاصب"، وقضت المحكمة بالإخلاء من حيث النتيجة.
المستأجر من جانبه طعن بالقرار فقامت محكمة النقض بتصديق القرار.
حكم أثار الكثير من الجدل لدى كل من رآه كما أنه أشعل الاحتدام بين آراء بعض المحاميين المتمرسين في المهنة لعشرات السنين، وخاصة أن فصل "مخالفة اﻵداب العامة" في قانوننا السوري هو فصل فضفاض ويمكن أن يستند في كثير من القضايا لحكم السلطة التقديرية للقضاة وفقا للمناطقية واختلاف البيئة المحيطة، كما هو معروف فما يعتبر ببعض المناطق مخالفا للآداب قد يكون أمر طبيعي في مناطق أخرى، لكن ما يضعنا أمامه هذا الحكم أننا أمام حالة عامة في كافة أرجاء الوطن، وهي حالة تتجاوز اﻵلاف مع مغادرة الكثيرين للبلاد منذ اندلاع اﻷزمة الحالية، فهل سيخسر هؤلاء منازلهم ويكونوا عرضة لإخلاء قضائي يحمل في طياته اتهاماً قد يتم تفسيره بـ"قلة الوطنية"، وما هو المعيار الذي سيحدد مجال المناطق الآمنة وفقه، خاصة في هذا الوقت الذي تتعرض له غالبية المناطق لسقوط القذائف".
وحول هذا القرار المثيل للجدل  تواصلت شبكة عاجل الإخبارية مع اﻷستاذ ماهر العلبي المحامي العام اﻷول في دمشق والذي اعتبر أن قرار القاضية صحيح باعتبارها اعتمدت على العلامة السنهوري وهو فقيه يأخذ القضاء برأيه، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه لا يوجد نص قانوني بعيدا عن الرأي الفقهي يعتبر مغادرة الوطن مخالفة للآداب العامة، مؤكداً أن مغادرة الوطن في لا يعتبر قانونا أنه مخالف للآداب كما تم وصفه في نفص القرار، مضيفاً: "إلا أن القاضية اعتمدت على رأي فقيه يؤخذ به".
وأوضح العلبي أن قرار الإخلاء على علة الترك يجب أن يرفق ببيان من الهجرة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المحمكة لا تأخذ بتبرير الغياب لسنتين للعلاج مع العائلة في الخارج وإلا وقع الظلم على مالك العقار.
وحول تعميم هذا الرأي الفقهي في حالات مشابهة، أكد العلبي أن هذه الحالة لن تعمم وإنما هي حالة تم إرفقاقها بهذه الدعوى، مؤكدا أنها حالة خاصة هنا، وأن لكل دعوى حالتها وحييثياتها التي يؤخذ بها دون وقوع الظلم على المالك ولا على المستأجر.
وعن تحديد المناطق الآمنة من غير الآمنة وكيف يقوم القضاء بتصنيفها، أكد العلبي أن القضاء ليس هو من يقرر آمان المناطق وإنما يعتمد في تحديدها على بيان رسمي من وزير الدفاع السوري من خلاله يتم تحديد هذه المناطق كآمنة أو لا.
وفي نهاية حديثه شدد العلبي على أنه لا يمكن تعميم هذه الحالة وأنه لا يقبل بنزع "الوطنية" عن أحد لمجرد مغادرته الوطن، وأن ما نحن أمامه هنا هو حالة خاصة كون القاضية اعتمدت على رأي الفقه، فلا نص قانوني في سورية يعتبر مغادرة الوطن "مخالفة للآداب العامة".

 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]