المرض النفسي معاناة آلاف السوريين.. نحن بحاجة لـ 3000 طبيب لتأهيل جيل كامل لمدة تتخطى 25 سنة

المرض النفسي معاناة آلاف السوريين.. نحن بحاجة لـ 3000 طبيب لتأهيل جيل كامل لمدة تتخطى 25 سنة

رابط مختصر


المصدر: عاجل - رانيا شحيدة
القسم: تحقيقات
07 شباط ,2018  01:30 صباحا






ألقت الحرب المستمرة في سورية منذ أكثر من سبع سنوات بظلالها الثقيلة على حياة السوريين وخلفت آثاراً سلبية على حياتهم اليومية نتجت عنها مشاكل نفسية واجتماعية حفرت بذاكرتهم لسنوات عديدة، فالحرب لا تترك فقط جروح وندوب جسدية إنما تترك جروح نفسية عميقة تطال كل النسيج الاجتماعي وخاصة الاطفال فهم الضحية الأولى في الحروب الطويلة الأمد.
لذلك كان لشبكة عاجل الاخبارية لقاءاً مع الدكتور جلال شربا  أخصائي أمراض نفسية عصبية، حيث قال: "ما زالت ثقافة مراجعة الطبيب النفسي في مجتمعنا تعاني من صعوبات كثيرة وذلك عائد إلى عدة أسباب وأهمها الربط بين الجنون والأمراض النفسية والأفلام المصرية القديمة التي تسيء إلى الطب النفسي وعزو كل الاضطرابات الدينية إلى السحر والمس وغيرها من الاعتقاد الخاطئ أن المرض النفسي مرتبط بنقص في الإيمان أو العبادات، وكذلك نقص ثقافة بعض الأطباء وجهل الكثير منهم بالطب النفسي، وعدم الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية من قبل البعض الآخر من الاختصاصات الأخرى عندما يجربون مختلف الأدوية وهم متأكدون ان المشكلة نفسية، هذا إضافة إلى الوصمة الاجتماعية للأمراض النفسية في مجتمعنا، ولكني أرى أن هناك فهماً أكثر دقة للطب النفسي بدأ يتبلور في السنين الأخيرة وازدادت مراجعة الناس للعيادات النفسية بشكل كبير، فظروف الحرب الأخيرة وما أفرزته من مشاكل واضطرابات نفسية سواء على مستوى الفرد أو العائلة وكذلك على النسيج الاجتماعي بشكل عام كل ذلك دفع، سيدفع بالطب النفسي ليأخذ مكانه الصحيح في المجتمع، مؤكداً أنه على أن ما نتج وما سينتج عن الحرب القاسية في سوريا من تشتت ودمار مادي واجتماعي وفقدان العائلات للكثير من أفرادها أو تهجيرها من أماكن سكنها، كل ذلك ستكون له نتائج كارثية على الكبار والصغار وسيخلق أجيالاً كسبت معاناة نفسية مرة وبأشكال مختلفة".
وأشار شربا إلى أن ىثقافة الخوف والعنف والإنكسارالنفسي، ستكون السمة المقبلة للأجيال التي نشأت وترعرعت في ظل هذه الحرب، لافتاً إلى أن هؤلاء الأطفال الذين عانوا أشكال مختلفة من العنف والدمار وفقدان الأمان بالإضافة إلى الجو الإعلامي الذي رافق هذه الحرب وتشتت العائلات وانتقال كثير من العائلات من مناطق سكنها الى مناطق أخرى، والمعيشة في أحوال مزرية وقاسية جدا وفي أجواء إزدحام عائلي غير طبيعي ووجود كثير من العائلات التي استشهد منها أكثرمن فرد وخصوصاً عندما يكون هو رب الأسرة التي ستفقد توازنها وستقع في بحر من المعاناة النفسية، لذلك فإن اضطراب ما بعد الصدمة النفسية أو الرض النفسي هي معاناة مئات الآلاف من السوريين اليوم وغدا وبعد غدٍ وتحتاج لعناية ورعاية نفسية لعشرات من السنين القادمة..
كما تكلم شربا عن أنه يشاهد يومياً عشرات الحالات النفسية الناتجة عن ظروف الحرب والتي تحتاج إلى علاج دوائي ودعم نفسي لفترات طويلة بل والى إعادة تأهيل نفسي لإعادة التأقلم مع الظروف الحياتية الجديدة القاسية والتي تكون في كثيرمن الأحيان اكبرمن قدرة الإنسان على التحمل والتأقلم, مضيفاً  أن لكل شخص قدرات معينة على التحمل والتأقلم، ونظراً لأن حجم الضغوط والصعوبات التي تواجهها شرائح عريضة من أفراد الشعب السوري قد تجاوزت القدرة على التحمل لذلك فان هؤلاء الناس ستكون عندهم اضطرابات نفسية متعددة وهي بحاجة للدعم والعلاج النفسي، مبيناً دور المنظمات الدولية التي دخلت على خط الدعم النفسي في سورية واجرت الكثير من الدورات لغير المختصين وافتتحت مراكز وعيادات نفسية ولكن لم تكن كافية، مشيراً إلى المصاعب التي مازالت تواجه العمل في المجال النفسي هو نقص الأطباء النفسيين نظراً لهجرة الكثيرخارج القطر ونقص المعالجين النفسيين الذين يشكلون جزء من الفريق النفسي المعالج وكذلك الافكار الخاطئة عن الأدوية النفسية والتي يعتقد الكثير من الناس أنها تؤدي للإدمان، مبيناً أنه خطأ كبير إذ إن اغلب الأدوية النفسية آمنة وأثارها الجانبية غير مزعجة وأقل بكثير  من أدويه أخرى وهي لا تؤثر على العقل والذكاء والتفكير لذلك لا خوف من تناولها بإشراف طبي.
كما رصدت شبكة عاجل بعض الحالات التي عانت من ويلات الحرب فهنا شابة في عمر الزهور تتكلم بحرقة بعدما هجرت من منزلها في زملكا بريف دمشق، حيث قالت: "ما رأيته ليس يسهل أبداً، أصوات الرصاص لا تفارق مسامعي وأصبت بحالة اكتثاب شديدة إلى إن خرجت من زملكا بدأت حالتي تتحسن  رويداً رويداً، وعدت إنسانة طبيعية إلى حد ما، وفي ليلة كنت ذاهبة إلى باب توما وإذ بقذائف تنهال على المنطقة رأيت رجلاً كبيراً في السن قد قطعت ساقيه ركضت مسرعة لإنقاذه، فبدأ  يصرخ ويقول اذهبي من هنا  يا بنتي القذائف تنهال، أسرعي، تسمرت في أرضي ودموعي تنهال كالمطر على هذا الرجل وبالفعل سقطت قذيفة أخرى بجانبي ، والحمد الله أنني لم أتأذ ولكن صوت هذا الرجل محفور بذاكرتي  وبقيت أسبوعاً كاملاً في المنزل دون حراك، ولكن الآن  مشاعري متجمدة أرى أشلاء الأطفال على شاشات التلفزة فأمر عليها مرور الكرام" .
أم علي امرأة في الثلاثين من عمرها تتنهد بحرقة وتتحدث عن زوجها المفقود وعراكها مع الزمن بعد خروجها من منزلها لعدم مقدرتها على دفع الاقساط وتقول: "أصبحت أنا وطفلي الصغير بلا مأوى بلا معيل وحالتي النفسية مزرية وتنعكس سلباً على طفلي ذو الثلاث سنوات، ضغوط الحياة كثيرة، وهذه الحرب سرقت منا أجمل أيام عمرنا، الأن أعمل بتنظيف المنازل كي أستطيع تأمين لقمة عيشي، الحرب قاسية لدرجة أنني في أوقات معينة أتمنى الموت ألف مرة" .
حنين سيدة  في مقتبل العمر فقدت زوجها وطفلها وأمها في تفجير إرهابي وبقي لديها طفلة قالت بحرقة شديدة: "كيف لي أن أتحمل هذا المصاب الجلل إنتهت حياتي في هذا اليوم، وأصابني ألم نفسي يفوق تصور البشرية، فقدت عائلتي في لحظة وما يجعلني أتنفس هي طفلتي المتبقية لدي، ولكن أقول لك ستحاسب الإنسانية على ما حصل في وطني من قتل وخطف ودمار".
وفي اتصال مع الدكتور رمضان محفوري أكد أنه وفي سنوات الحرب ازدادت الاضطرابات النفسية والعصبية بشكل واضح وهذا يحدث بكل العالم وليس فقط في سورية، وبشكل عام ازدادت للضعف تقريباً، فعلى سبيل المثال الاضطرابات الخفيفة عادة غير مقاسة وإن كانت نسبتها 20 بالمئة فاليوم تبلغ 40 بالمئة تقريباً، وأما بالنسبة للاضطرابات المتوسطة فهي بالحالات العادية تتراوح بين 8 إلى 10 بالمئة، أما بحالة الأزمات الطويلة كالحالة المعاشة في بلدنا تضاعفت فأصبحت بين 15 إلى 20 بالمئة من عامة الناس يضاف إليها نسبة تقريبية 40 بالمئة من الاضطرابات الخفيفة هذا يعطي نتيجة 60 بالمئة أو أكثر،  أما الاضطرابات الشديدة عادة ما تكون بين 1/2 بالمئة
و الاضطرابات المزمنة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكل المطالب والحاجات والحالات المعقدة بالنتيجة تتضاعف  النسبة لتصل إلى 5 بالمئة وبالتالي إذا اعتبرنا عدد سكان سورية 20 مليون فان حوالي مليون شخص بحاجة لخدمات طبية نفسية عدا الدعم النفسي الاجتماعي والإسعاف النفسي وبالتالي الطبيب النفسي إن استقبل بأقل تقدير200 حالة علاج نفسي شهرياً فنحن بحاجة إلى عدد كبير من الأطباء وبحاجة لوقت وعمل طويل، فنحن بواقعنا يفترض أن يكون لدينا لايقل عن 3000 طبيب معالج يقدم خدمات الطب النفسي، تحديداً لتدارك النقص الشديد غير ما نحتاجه إلى خريجي العلاجات النفسية الدارسين والمؤهلين في كليات التربية ومختصي العلاج السلوكي والتحليلي والأسري والمعرفي الى اخرة
وأشار محفوري الى ان وزارة الصحة تعمل جاهدة منذ اربع سنوات بكل الإمكانيات المسخرة للعمل لتدريب الأطباء من كافة الاختصاصات وليس حصريا الأطباء النفسيين لتفادي النقص الحاصل ومساعدة المرضى على الصعيد النفسي قدر الإمكان وذلك بحالة اكتشاف الطبيب العام او المختص حالة اكتئاب على سبيل المثال فيكون جاهزا للمساعدة إيجابيا وليس سلبيا وتحويل المريض للطبيب النفسي المختص.
وأضاف قائلاً ان الطب النفسي في كل دول العالم مدعوم من الحكومات، فنحن كأطباء نفسيين بحاجة لدعم كامل من رواتب وحوافز وتدريب لرفع الكفاءات وتأمين المستلزمات وتقليل مدة الخدمة وتخفيف الضرائب والإجهاد على الطبيب النفسي مادياً ومعنوياً، مشيراً إلى  موضوع جلسات التوعية والتثقيف الجماعية على أنها قد تكون ممكنة في الظروف الحالية من الحرب ولكن العلاج العضوي يستحيل أن يتم إلا فردياً، فلكل حالة علاجها العضوي ودوائها المختلف و مايناسب الشخص من مضاد اكتئاب قد لايناسب الشخص الآخر ولو أنه نفس المرض ظاهرياً فكل مريض له دواء من زمرة وشكل مختلف .
وأضاف ان ثقافة الطب النفسي قد ازدادت وتطورت خلال فترة الحرب وخاصة خلال الأربع سنوات السابقة، فقد كان تصنيفنا  بالمركز العاشر في المنطقة، وفي عام 2015 تم تصنيفنا بالمركز الثالث، ونحن منذ عام 2017 نحتل المركز الأول بتطور ونمو الطب النفسي وهذا أمر إيجابي مرده إلى إنكسار وتراجع وصمة الخوف والاستهتار بمراجعة الطبيب النفسي، وبكل بساطة رمي شماعة المريض على الأزمة دفع الى زيارة الطبيب النفسي على عكس ماكان قبل الأزمه فالمراجع كان يوصف على أنه مجنون ولكن قد تغير الحال وأصبح من الطبيعي مراجعة المريض للطبيب النفسي".
وأوضح الدكتورالمحفوري أن بعد توقف الحرب نحن بحاجة لتأهيل ومعالجة جيل كامل ولمدة قد تتخطى 25 سنة وهذا يستدعي رصد إمكانيات هائلة من الحكومات والجمعيات والمنظمات الأهلية، لافتا إلى أنه لوزارة الشؤون الإجتماعية دور كبير بالدعم الاجتماعي، فيجب إن يكون فاعل ويتماشى مع الواقع الأليم الذي نمر به، فمازال تدخلها خجولاً جداً، فنحن نتواصل كل ستة شهور لنضع بعض النقاط الأولية ونقدم مساعدتنا طبياً ولكن نقص الإمكانيات واضح جداً فهناك محافظات لايوجد فيها أطباء نفسيين، ولا يوجد حلول إسعافية فعلى سبيل المثال لو أنهم أرسلوا من يدرس الطب النفسي للخارج منذ بداية الأزمة، لكانوا أطباء اختصاصيين يعملون لدى الوزارة حالياً، متمنياً أن نصل بالتطور إلى مصافي الدول العالمية.
وفي نهاية المطاف في كل بيت سوري قصة وفي القلوب ألف غصة وسيسجل التاريخ مافعله الإرهاب من كوارث في مجتمعنا لم يسلم منها أحد، والسؤال الأهم هل سيتم إعادة تأهيل البشر تماشياً مع إعادة إعمار الحجر؟.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]