التواصل الاجتماعي.. شبكات اللهو الأسود والبعد المعرفي على الهامش

التواصل الاجتماعي.. شبكات اللهو الأسود والبعد المعرفي على الهامش

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
21 كانون الثاني ,2018  02:16 صباحا






بلا شك تعد الثورة المعلوماتية سمة أساسية من سمات العصر الذي نعيش، وتعدّ وسائل التواصل الاجتماعي بما لها من قدرة فائقة على تجاوز حدود الزمان والمكان أحد أهم أدوات البعد الثقافي والمعرفي، بل الإنجاز التكنولوجي الأول الذي استطاع الإنسان من خلاله إلغاء المسافات واختصار الساعات في تبادل الثقافات والمعلومات ومواكبة التطورات في مختلف المجالات، وعلى الرغم من الجوانب الإيجابية والفوائد المتعددة التي وفّرتها وسائل التواصل الاجتماعي، إلاّ أن أخطاراً جسيمةً أصابت أو أنّها ستلحق بالفرد المستخدم ومن ثمّ بالمجتمع، وذلك بسبب سوء الاستخدام من جهة، والتسليم المطلق لمضامينها من جهة أخرى.
وفي هذا الوقت لا بد من الإشارة إلى أن وسائل التواصل انتشرت في بيوتنا وأماكن عملنا وتجمعاتنا، حيث الجميع منحني الرأس، والهدوء سيد الموقف رغم اكتظاظ المكان بمن فيه، وقد تراجع التواصل الحقيقي فالجميع منشغل عن الجميع من حوله، وأكثر اللقاءات الاجتماعية فقدت بريقها وحيويتها، وظهر العديد من المشاكل الزوجية والحياتية التي نجمت عن الانشغال الدائم بهذه البرامج.
شبكات على طريق الخيانة!
تفاقمت مخاطر التعلق بوسائل التواصل الاجتماعي بشكل متزايد مع الانتشار الهائل للهواتف الذكية التي تحتوي على برامج وتطبيقات أخذت من الوقت الشباب الكثير، كما أنها جمعت العالم كله في كفّ واحدة، إذ أصبح من الممكن أن يصل المستخدم بلمسة شاشة لأي نقطة أو معلومة أو شخص مهما كان بعيداً في المسافة، كما بات من الممكن أن يشرد المستخدم بذهنه إلى أبعد نقطة ممكنة عمن يجلس بجواره، وهذا الأمر من الممكن مشاهدته ببساطة وسهولة، حيث لا يمكن أن يحضر مجتمعون دون أن يكون نصفهم مشغول بهاتفه أمامه على شبكة الانترنت، ووصل الأمر إلى درجة جعلت الأم تنشغل عن الاهتمام بشؤون المنزل وأطفالها وزوجها، فأصبح الهاتف الذكي يلازمها في كل مكان، حتى أثناء إعداد الطعام لأسرتها وعند الجلوس مع الزوج، ما يؤدي إلى تقصيرها في دورها، إضافة إلى ذلك فالشبكات الاجتماعية تمكّن من التواصل مع الأصدقاء وتعزز الشعور الفوري والمكثف بالحميمية، ويمكن أن تجعلنا نقتنع بمثالية العلاقات الافتراضية، وتالياً بذل طاقة خاصة في انحرافات رقمية بدلاً عن الاهتمام بشريك الحياة، بل الأسوأ من ذلك فالشبكات الاجتماعية قد تمهد الطريق للخيانة العاطفية وتكون بداية لانهيار الأسرة، كما يرى العديد من الأخصائيين.
العلة في الأزمة..
مع ما تشهده البلاد من خراب ودمار واغتراب، على ما يبدو شجعت على التعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، وهذه الظاهرة انتشرت بين مستخدمي الهواتف الذكية حيث لا يستطيع هؤلاء تخيل حياتهم من دون هاتف، ويصابون بالقلق حال انقطاع الشبكة، وهذا أمر منذر بالإدمان، مع العلم أن الهواتف الذكية تجمع بين أخطار إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، وبلغت أخطارها أن البعض يراها أهم من الأزواج والأبناء وهذا ما سبب انشغال أفراد الأسرة عن عائلاتهم، لكونها تحقق لهم تواصلاً يفتقدونه في العلاقات الاجتماعية فيزداد الصمت الأسري وقد يصل إلى حدّ الخرس.
مع كل الفوائد التي من الممكن أن تحتسب لوسائل التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد وألفت بين الكثير من الناس،  إلا أنه في الوقت نفسه جعل التواصل المستمر عبر الهواتف الذكيّة الكثيرين يعيشون في عزلة أكبر، قلة من الشباب الذين يقضون ساعات طويلة في النظر إلى شاشات هواتفهم يومياً، ينتظرون تعليقات ورسائل من أصدقائهم يمكن أن يؤدّي ذلك بهم إلى التوتر، وإلى تنامي مشاعر سلبية كالغيرة والحسد بسبب متابعة تفاصيل حياة الآخرين، وقد قال عالم النفس المتخصص في إدمان التكنولوجيا الدكتور ريتشارد غراهام:"هناك ذلك الإحساس المزعج بأن أحداً ما يتجاهلك".
هذا بالإضافة إلى وجود عدد من المظاهر السلبية وفي مقدمتها قلة النوم، فقد ثبت أن أكثر من 60% من مستخدمي الهواتف الذكيّة ممن هم بين 18 و29 عاماً يصطحبون هواتفهم معهم إلى السرير،وأكدت الدراسات أنّ التعرض ساعتين لشاشة مضاءة وساطعة يمكنه وقف إفراز مادة الميلاتونين وتالياً التأثير السلبي في النوم الصحّي المطلوب، كما وجدت الأبحاث أن الهواتف الذكية تقلل فترات الانتباه وتجعلنا غير فاعلين في إنجاز المهام والأعمال المسندة إلينا، كما أن الاستخدام المفرط لتطبيقات الهاتف الذكي يمكن أن يزيد من صفة العنف والعدوانية لدى المستخدم بسبب غياب الترابط واللغة العاطفية وإلى الوقوع في العبودية والأسر.
المطلوب.. مراقبة وتوجيه!
بلا شك فإنّ مواقع التواصل الاجتماعي المتاحة على شبكات الإنترنت، ولاسيما من خلال الهواتف الذكيّة التي أصبحت في متناول الصغار قبل الكبار، وباتت من لوازم وضرورات العصر، لكن حالها تبقى حال الكثير من التقنيات الحديثة من حولنا، فهي سلاح ذو حدّين، حيث نحتاج فعلاً للحكمة والوعي والإرادة والعزم في تعاملنا مع هذه المواقع التي تدور رحاها بين حالتي الاستثمار أو الاستدمار، وإن مسؤوليتنا جميعاً أفراداً وهيئات ومؤسسات تتجلّى في أن نعرف كيف نطوّع هذا الإنجاز العلمي فنضيف إلى مخزوننا الفكري والاجتماعي والإنساني، لا أن نأخذ منه وننقصه، كما يجب علينا أن نسهم في إعداد جيل جديد يعرف كيف ينظم نفسه جيداً، وكيف يكون مسؤولاً عن نفسه ، ومراقباً لها، ومدركاً لأهميّة الوقت في الحياة، وكيف يبقى سيّداً لا عبداً، في سلوكياته وعلاقاته وجزئيات حياته، ومستخدماً حكيماً، وذكيّاً، وبارعاً، لأجهزة صمّاء من صنع الإنسان، عمّت البلاد، وشغلت العباد، وملأت الأوقات، وأدخلت الحياة في عصر التحدّيات.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]