الرقابة ما زالت مغتربة والسوق كما يحلو لها

الرقابة ما زالت مغتربة والسوق كما يحلو لها

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
27 كانون الأول ,2017  04:01 صباحا






من بين جملة العوامل المؤثرة على المواطن السوري خلال سنوات الأزمة الحالية التي نعيشها، غياب الرقابة عن مختلف القطاعات، خاصةً تلك التي تتعلق بالأمور المعيشية، والتي من الواجب على وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومعها جمعية حماية المستهلك، مراقبتها، إلا أنّ أهم ما يحصل خلال السنوات الخمس الأخيرة، هو التذرع بالأزمة، والتشكي من ازدياد حالات الغش والاستغلال بين التجار، يضاف إليها نقص في الكوادر العاملة، وعدم رفد تلك القطاعات بالمزيد من الموظفين، الأمر الذي أدى إلى زيادة في عدد حالات الغش والتلاعب بالأسعار، ليكون المواطن الحلقة الأضعف من كل ما يجري.
تبرير لا يشفي الغليل!
خلال السنوات الخمس من عمر الأزمة السورية، ازدادت الأسعار بشكل خيالي، الأمر الذي زاد من أعباء المواطن السوري، وأيضاً من أعباء المعنيين بمتابعة الأسعار وحقيقتها في الأسواق، في آن، كما تقول إحدى تلك الجهات في تصريح سابق لـ"شبكة عاجل الإخبارية"، ولكن، هذا الكلام لا يمكن أن يشفي غليل المواطن، الذي لا يكفيه الراتب الأيام العشرة الأولى من كل شهر، فما الحل؟.
لا ذراع ضابط ولا مراقب حامي!
على ما يبدو، فإن كل الأعذار السابقة التي تقدمت بها الجهات المعنية بمتابعة الأسواق، وأسعارها، لم تعد منطقية بالنسبة إلى المواطن، الذي ملّ من كثرة الأعذار والتبريرات التي يراها بأنها غير منطقية، وليست حقيقية، في ظل توافر كل المواد الاستهلاكية والغذائية، دون انقطاعها عن الأسواق، وعليه، لم تفلح تلك الجهات في تقديم نفسها على أنها حامية للمستهلك والأب الراعي لشؤونه الاستهلاكية اليومية، عبر زعمها بين الفينة والأخرى أنها الذراع الضابط لحركة وانسياب السلع في الأسواق، ومراقبة أسعارها ومدى مطابقتها للمقاييس والمواصفات..الخ.
تضخم في جيوب التجار!
في هذا الوقت، يبدو أن غياب الرقابة، كما يرى الدكتور منهل عيسى، الأخصائي باقتصادات الأسعار، هو العامل الأهم في الخلل الذي تشهده الأسواق، خاصةً خلال الأزمة، الأمر الذي أدى إلى خلل في معادلة العرض والطلب، ورفع الأسعار على نحو غير مبرر، وبالتالي، أصبح وجود فساد في القطاع الاستهلاكي، إن صحّ التعبير، طبيعي.
ويشرح الدكتور عيسى، أن الخلل في المعادلة، أدى إلى تضخم في جيوب تجار الأسواق ورموزه على حساب ليس الفلاح فحسب بل الفلاح والمستهلك في آن معاً!.
"سمسار" لا يقل أهمية عن غيره!
من جهة أخرى، وكما يرى خبراء في الاقتصاد، لا يمكن إلقاء اللوم على التاجر أو الجهات المعنية بمراقبة الأسواق وحدهم في الحال الذي وصلت إليه الأسواق، ففي الوقت الذي يتحكم فيه أغلب التجار بأسعار المواد في الأسواق، ثمة عامل آخر، لا يقل أهمية عن العوامل السابقة، كان مرادفاً لها في ارتفاع الأسعار، والخلل فيها، ألا وهو وجود ما يسمى "السمسار"، ويضيف الخبراء:" تحولت السمسرة إلى قواعد وأدبيات متعارف عليها بين تجار السوق، وتم تحديد نسبة العمولة بشكل ثابت في كل مواسم السنة بـ6% من قيمة المحصول المورّد بالنسبة لبائعي نصف الجملة، و7% لبائعي الجملة، بغض النظر عن نوعية المنتج أو كميته أو حتى مدى استفادة الفلاح منه".
وبحسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، فقد تم الاعتماد على المعادلة التالية، ألا وهي أنه من بين التجاوزات التي تتم في الأسواق، وبمعرفة السمسار والتاجر خصم 1.5 كغ من كل صندوق كرتوني مهما كان نوع المنتج المعبّأ فيه، مبرّرين أن الخصم عبارة عن وزن الصندوق، علماً أنه أقل من ذلك، إضافة إلى خصم ما نسبته 3% من وزن المنتجات المعبّأة بصناديق مصنوعة من مادة الفلين للسبب نفسه.. و"هلمّ جرّ"!.
مبررات لا مبرر لها!
من جهة أخرى، يبرر التجار ارتفاع أسعار الكثير من المواد، بعوامل عدة، من أهمها أجور النقل، وارتفاعها أيضاً غير المبرر، الأمر الذي يزيد من أعباء الشحنات الحاملة للبضاعة، وبالتالي ما عليهم إلا رفع الأسعار من أجل تعويض الخسارة، يضاف إلى هذا، الوقت الطويل الذي تحتاجه تلك البضاعة من أجل الوصول إلى الأماكن المراد بيعها فيه، وهذا أمر إضافي لا يمكن للتاجر وحده تحملها، وبالتالي ما عليه سوى رفع الأسعار.
تعدد أسواق وتباين في الأسعار!
يضاف إلى هذا، عامل مهم جداً، يراه خبراء الاقتصاد مؤثر في أسعار الأسواق، ألا وهو، عدم وجود أسواق مركزية كثيرة، حيث يعد سوق الهال حلقة أساسية بالربط بين المنتج والمستهلك، ويلعب في الوقت نفسه دوراً أساسياً بأسعار الخضار والفواكه رغم كل التبريرات التي يقدّمها تجار السوق تجاه ارتفاع الأسعار وما شابه، وبالتالي  من أجل كسر هذه الحلقة وتفويت الفرصة على المتحكمين بها لابد كمرحلة أولى من إنشاء أسواق هال إضافية على مداخل المدن الرئيسية، من شأنه أن يخفف من أجور النقل لهذه الشاحنات، ويخفف أعباء تجار المفرق نتيجة شرائهم بضائعهم من سوق الزبلطاني، ما ينعكس بالتالي على سعر المستهلك، كما أن هذه الأسواق ستتيح للفلاح خيارات أخرى ولن يكون مضطراً لتوريد محصوله للسوق المركزي، وبسعر يخضع لمزاجية ومصالح التجار المتحكمين به.
وحول إمكانية سيطرة التجار الحاليين المتحكمين في أسواق الهال الرئيسية على الأسواق الفرعية في حال إحداثها بيّن يوسف أنه سيكون محدوداً، وأن انخفاض تكاليف النقل وحده كفيل بكسر حدّة ارتفاع السعر، معتبراً أن فكرة الأسواق على مداخل المدن هي حل عملي وجذري بامتياز لكسر ارتفاع الأسعار.
غيض من فيض!
هذا غيض من فيض التحدّيات التي تواجه وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ونعتقد أن أولى الخطوات الواجب اتخاذها لضبط أسعار الأسواق، هو العمل بشكل جدي وسريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومراقبة الأسواق، وإيجاد آلية مناسبة للعقوبة، رحمةً بالمواطن الذي ملّ كثرة المبررات، حيث أن غياب الرقابة عن الأسواق إنما يمثل تضخم بجيوب التجار على حساب الفلاح والمستهلك في آن، الأمر الذي يؤكد أن هناك حلقات كثيرة يجب إعادة تصحيح مسارها ووضعها قبل الولوج إلى أوضاع الأسواق، أو على الأقل يجب أن تعالج في وقت واحد.  
للحق كلمة!
لا يمكننا إلقاء اللوم على وزارة التجارة الداخلية وحماة المستهلك لوحدها، فبالتأكيد المهمة ليست بالسهلة، خاصةً في ظل التطورات الاقتصادية التي نجمت عن سنوات الأزمة، وبالتالي فإن أي جهد من وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك الجديد لا يقابل بتعاون وجهود من باقي الوزارات لاسيما الاقتصادية لن يفضي إلى نتائج ترضي المستهلك.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]