أعراض المرض الانفصالي!

أعراض المرض الانفصالي!

رابط مختصر


المصدر: عاجل - مواقع
القسم: مقالات مترجمة
14 تشرين الأول ,2017  16:13 مساء






أعلن كارل بويغدمون عن "حق كاتالونيا بالاستقلال" على وقع تصفيق ممثلي المناطق. لكن التجربة التاريخية تعلمنا أن هذا النوع من المغامرات نادراً ما ينتهي نهاية سعيدة. بعد انتزاعها من صربيا بالقوة الضاربة لقاذفات ب52 الأميركية، أعلنت كوسوفو عن استقلالها سنة 2009. وبغطاءٍ من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو قام المبعوث الأممي برنار كوشنر بتسليم هذه الدولة الدمية إلى زمرة مافيوية تدعى جيش تحرير كوسوفو، الذي لم يتعرض لأية مساءلة أو عقاب بفضل هذا القسط الجيو سياسي. في الأثناء، كانت صربيا قد تعرضت للقصف وتقسمت. وأما سكان كوسوفو، فلم يعد عليهم هذا الاستقلال الذي كلفهم العديد من الضحايا بأية فائدة.
هذا في أوروبا. أما في إفريقيا، فالأمر أشد سوءاً. حيث أدى انفصال جنوب السودان الذي تم برعاية واشنطن إلى كارثة لا سابق لها. لم تجد هذه الدولة الجديدة، الفقيرة بشكل لا مثيل له، والتي دمرتها الحرب الأهلية، من يذرف الدموع عليها سوى عينيها. بسبب أطماع الشركات المتعددة الجنسية بثرواتها النفطية والمعدنية، أرادت وزارة الخارجية الأميركية إضعاف حكومة الخرطوم، ومع وجود قادة للإثنيات الجنوبية يحلمون بالاستقلال، تحققت المعادلة الرابحة لواشنطن! للأسف فقد تحول الحلم إلى كابوس، وعدد الضحايا يقدر بعشرات الألوف.  كوسوفو وجنوب السودان هما المثال القاطع أن النزعة الانفصالية، حين تبلغ نهاياتها، تعاني صعوبة كبرى في ضمان مستقبل سعيد.
هنالك من سيجيب بدون شك أن استقلال كردستان العراق يقدم البرهان المعاكس. هذا الشعب الذي لا دولة له، والذي تم خداعه بمعاهدة لوزان الظالمة (1923) سوف يأخذ بثأره التاريخي! هذا هو مشروع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تتزعمه عائلة برزاني، لكنه مشروع بعيد المنال. لا العراق ولا إيران ولا تركيا سوف يقبلون بتقسيم دولة سيدة، ولو كان هذا التقسيم مدعوماً من القوة الحامية الأميركية. أما بخصوص التحالف مع "إسرائيل"، فإننا نتساءل إن كان الكرد مدركين لحقيقة أن تل أبيب تدعمهم كما يدعم حبل المشنقة المحكوم بالشنق. الأكراد السوريون الحذرون، من جانبهم يجرون الحوار مع دمشق، التي أعلنت استعدادها للتفاوض فور البت بمصير "داعش".
يمثل وضع السوريين الأكراد نموذجاً يمكن تدريسه في المدارس، وهو يبرهن على مأزق النزعة الانفصالية. لأنهم لو قرروا المغامرة بإعلان استقلالهم، فإنهم بذلك يفتحون أبواب الجحيم. هذه الدولة، الواقعة بين فكي كماشة الجيشين التركي والسوري، غير القابلة للحياة بعدد سكان لا يتجاوز 1.5 مليون من الكرد سوف تزول عن الخارطة بشكل سريع. بدون شك فقد فهموا أن الحكم الذاتي الكردي لا يمكن التفاوض عليه إلا بشرط التخلي عن الانفصال وأن مستقبلهم هو في الانتماء إلى سورية الدولة السيدة والمتصالحة.
ولكن كما في كوسوفو وجنوب السودان فإن النزوات الانفصالية يتم التلاعب بها  من قبل القوى التي لها المصلحة في زعزعة استقرار الدول ذات السيادة. إن مصير الأكراد في المنطقة بين أيديهم، وسوف يرتكبون خطأً كبيراً إن هم عهدوا به إلى أصدقائهم الإمبرياليين المزيفين.
إن الانفصالية. في العمق، أحد أعراض المرض الذي يصيب فئات من السكان أصابهم جرح تاريخي والذي يقوم الأطباء المزيفون بوصف علاجٍ زائفٍ له. إن لدى الكتالونيين الذين يحلمون بالاستقلال العديد من الأسباب الوجيهة بدون شك لكي يغضبوا من الحكومة المركزية الإسبانية. لقد احتفظوا بشكل شرعي بذكرى السنوات السوداء للقمع الفرانكي. لكن اسبانيا سنة 2017 ليست فرانكية، وإن انفصال كتالونيا سوف يسبب لها عدم الاستقرار ويتسبب بجرحها. إن انتهاك قانون الدولة الإسبانية، وهي دولة ذات سيادة، ليس أمراً عادياً. إن النزعة الانفصالية الكتالونية سوف تسدد ضربة رهيبة للسيادة الوطنية في أوروبا الجنوبية، وسوف تدفع "شعوب" اسبانيا دون تمييز ثمن ذلك.
إن كتالونيا، المنطقة المتطورة والتي تقدر مساهمتها بنحو 19% من الدخل الوطني الإسباني العام، ليست كوسوفو. إن نزعتها الانفصالية، التي تغذيها الذاكرة التاريخية والحركات القومية الثقافية، لا تنقصها الخلافات. ليس من الواجب سرد القصص، إنها (الانفصالية الكتالونية) أنانية الأغنياء. يتخيل قادة كتالونيا أن قوتها الاقتصادية سوف تغذي سيادتها السياسية. وأن كتالونيا ما إن تتحرر من النير الإسباني، ويهدأ روعها بفعل الوزن النوعي للتضامن الوطني، فإن الدينامية الكتالونية سوف تصنع المعجزات! إنه سر مكشوف للجميع، لدرجة أنه حتى اليسار المتطرف لا يمكنه تجاهله وهو أن: البرجوازية المحلية تسعى للاستفادة من الاستقلال من أجل إقامة نموذج نيوليبيرالي. ليس من المؤكد إن كان الشباب والعمال يؤيدون هذا المشروع، والبرجوازية بدون شك سوف تستند إلى الوهم الشاعري في 10 تشرين الأول الحالي من أجل حل جميع تناقضاتها.
لكن ذلك ليس كل شيء. حيث أن قادة برشلونة يريدون مغادرة اسبانيا دون مغادرة الاتحاد الأوروبي، إنهم يريدون تأسيس "دولة جديدة في أوروبا"، وهو مشروع لا معنى له. لأنه في حال قبل الاتحاد الأوروبي انضمام دولة انفصالية، فإنه يوقع على قرار موته. صحيح أنه لدى دعاة الوحدة الأوروبية أكثر من حيلة في حقيبتهم، وأن البعض يحلم بتفكك الدول- القومية لصالح مناطق- أوروبية، لكن ذلك سوف يعني الاعتراف أن الاتحاد الأوروبي عبارة عن مطحنة للدول ذات السيادة، بينما هو لايزال على قيد الحياة بصعوبة شديدة بواسطة اعتماده على الخرافة المعاكسة. في اليوم الذي يتم فيه قبول انضمام أية منطقة انفصالية في الاتحاد الأوروبي، من بإمكانه حينها أن ينكر أن الاتحاد يعمل على تجويف السيادة الوطنية من فوق عن طريق تمزيقها من تحت؟ ترى هل سيكون من فضائل أعراض المرض الانفصالي، في حال ضربت أوروبا، أنها سوف تجعل الأقنعة تسقط؟

المقال للكاتب "برونو غيغ"/ ترجمة: علي إبراهيم  لموقع أورهاي


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]