في دمشق.. "الإخوان" أسقطوا أتاتورك ومجدوا أردوغان

في دمشق.. "الإخوان" أسقطوا أتاتورك ومجدوا أردوغان

رابط مختصر


المصدر: محمود عبد اللطيف
القسم: مقالات
05 آب ,2017  20:41 مساء






لنفترض أن عرض كتابين يمجدان رأس النظام التركي "رجب طيب أردوغان" في معرض للكتاب في دمشق كان بداعي الخطأ من قبل الدار التي عرضته في جناحها، لكن ثمة مشكلة في معروضات أخرى للدار نفسها، ولنفس الكاتب الذي وصف أردوغان في كتابين بـ "الشيخ الرئيس" و "محطم صنم أتاتورك"، مع التذكير هنا أن مصطفى كمال أتاتورك، هو مؤسس الجمهورية التركية بشكلها الذي سبق وصول رجب طيب أردوغان إلى رأس هرم السلطة من خلال تحوله إلى رئيس بصلاحية مطلقة من خلال تعديله للدستور مستندا على الأكثرية التي تحصل عليها حزب العدالة والتنمية في إعادة الانتخابات التي تعمد الوصول إليها أردوغان بعد أن خسر الأكثرية من خلال صعود أحزاب كردية تعارضه.
إذ عرض للكاتب "منصور عبد الحكيم" في جناح الدار نفسها كتب تمجد العثمانية كـ "محمد الفاتح"، وتاريخ الفاتح في الوصول إلى السلطة لا يقل دومية على التاريخ السياسي الذي وصل من خلاله أدرغاون إلى السلطوية السياسية التي هو عليها اليوم من بعد الانقلاب، كما إن لـ "منصور" كتاب آخر بعنوان "أتاتورك.. ذئب الطورانية الأغبر"، والطورانية حركة قومية ظهرت بين العثمانيين في آواخر القرن التاسع عشر، وتعنى بجمع أبناء العرق التركي من اللذين تجمعهم لغة وثقافة واحدة، وهي حركة لا تتناسب في توجهاتها مع التوجهات الإسلامية لـ "أردوغان" وطرحها هنا ليس من باب الدفاع عنها وتبني الفكر القومي التركي كأساس للجمهورية التركية ذات التعددية العرقية والدينية، وإنما محاولة للتوضيح لا أكثر.

ومن المفيد أيضا الإشارة إلى أن "عبد الحكيم منصور" كاتب مصري ذو ميل إخواني، له 180 مؤلف في الإسلاميات، ومن بينها كتابة التاريخ الإسلامي خصوصا، وتاريخ المنطقة عموما من خلال وجهة النظر الإخوانية، وعناوين مؤلفاته لا تشير إلا إلى محاولة لتمجيد رئيس النظام التركي، بكونه واحد من أهم القيادات السياسية المتبنية للفكر الإخواني في العالم.
المشكلة الأساسية تمكن في غياب الرقابة على معروضات دور النشر في معرض الكتاب في دورته الـ 29، والذي يقام في مكتبة الأسد الوطنية برعاية من الرئيس بشار الأسد شخصيا، وهذا التقصير يمرر أفكار خطرة بحجة أن الكتاب حاصل على موافقة من وزارة الإعلام بحسب ما صرح به مدير فرع "دار الكتاب العربي للنشر" في سورية، والذي حاول تبرير عرض الكتاب بـ "الخطأ"، وأن الكتاب مجرد سيرة ذاتية لشخص أردوغان ومعتبرا في الوقت نفسه أن عناوين الكتب إشكالية من باب " الترويج"، لكن سوق مثل هذه المبررات غير مقبولا وكان من الواجب أن يكون ثمة رقابة أكبر على عناوين الكتاب التي ستطرح من قبل دور النشر، خاصة العربية منها، ولعل من المفارقة أن يقول مدير فرع دار النشر أن الكتاب ما زال يباع في مصر، علما إن مصر تقاتل الإخوان المسلمين بكل تطرفهم وسفكهم للدم المصري مقابل الوصول إلى السلطة.
ليس من مصلحة السوريين أن يكون ثمة كتاب يسقط من حسابات تاريخ المنطقة شخصية كـ "مصطفى كمال أتاتورك"، وذلك ليس من باب الاعتراف بعبقرية الرجل وقدرته على تأسيس الجمهورية التركية، وإنما من باب رفض المسوغات التي أستند إليها أردوغان في إعادة بناء دستور تركي يسقط قيم الجمهورية التي أسسها "أتاتورك" ليبسط سطوته السياسية على أركان الدولة التركية، ويحولها من دولة كانت تتمتع بسياسة "صفر مشاكل"، وحسن جوار عال المستوى، إلى دولة عدائية تسعى لمد النفوذ الإخواني في المنطقة، كما إن طرح كتب تمجد شخص أردوغان وتسرد "خصاله الحميدة" على السوريين، لا يعدو كونه "جريمة موصوفة" من قبل الفاعل، فمن غير المقبول أن الكتاب الذي جاء في الصناديق من بيروت بـ "الخطأ"، تمكن من الوصول إلى "رفوف المعرض" بالخطأ، بمعنى أن القائمين على الدار لم ينتبهوا إلى خطورة طرح هذا الكتاب في جناح دارهم في المعرض.
وكان من باب "السخافة" أن يبرر مدير مكتبة الأسد "صالح صالح" عرض الكتابين الممجدين لإردوغان بـ "منشور" عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قال فيها ما حرفيته: "أصدقائي الشطار خاصة اللذين لم يزورو المعرض وتحدثو عن كتاب خاص بأردوغان أعلمكم أن الكتاب نسخه وحيده جاءت مع الكتب القادمه من بيروت وهي تتحدث عن تاريخ تركيا وكيف وصل اردوغان الى السلطة مطبوعه قبل 2011..وهي على مكتبي لكل من يحب اﻷطﻻع عليها ...كل الشكر لإهتمامكم وغيرتكم وللعلم الكتاب حاصل على موافقة للتداول عام 2011"، إلا أنه قام بحذف "المنشور" من صفحته بعد التعرض لانتقادات واسعة من متابعيه.
في المصحلة، يجب أن يكون دور "الرقيب" القائم على العناية بما يتم تداوله من كتب ومنشورات في المكتبات السورية، أن يكون أكثر فعالية، والبحث في سيرة الكاتب الذاتية واجبة، فمن غير المنطقي أن يقبل بنشر كتب لشخص يميل بفكره إلى الإخوان المسلمين على رفوف مكتبة عريقة كمكتبة الأسد، ومن غير المقبول أيضا، أن يكون السوريين قد دفعوا سبع سنين من الدم والتعب في محاربة الفكر المتطرف للإخوان المسلمين والحركات الوهابية، لتمر سمومهم عبر كتب تمجد القتلة، وإن كان الأمر بالخطأ.


هامش خارج النص
تسمية الإخوان المسلمين كان قد سبقها تسمية "الإخوان الموحدين"، وهي اللقب الذي كان يطلقه أتباع "محمد بن عبد الوهاب" في بداية ظهورهم، وظهرت حركة الإخوان المسلمين بتمويل بريطاني في مصر أول مرة، وهو التمويل ذاته الذي أظهر محمد بن عبد الوهاب إلى العالم بفكره التكفيري، وتقارب التسمية لا ينبع إلا من أن "الإخوان" قدموا بأول فكرهم من السعودية، ولعل هذا الانتقال كانت ناتج عن محاولة من "السعوديين" للانتقام من المصريين الذين هدموا عاصمة الدولة السعودية الأولى "الدرعية" على رأس وهابييها، حينما حكمها محمد علي باشا.

هامش آخر

أدروغان الذي سفك الكثير من الدم ليرسخ سلطويته على مفاصل الدولة التركية من خلال تعديل الدستور لآخر يمنح منصب الرئيس في تركيا صلاحيات مطلقة، هو واحد من الشخصيات التي تطالب بتعديل الدستور السوري بما يحد من صلاحية منصب الرئاسة


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]