عيد الزلم

عيد الزلم

رابط مختصر


المصدر: محمود عبد اللطيف
القسم: مقالات
01 آب ,2017  20:20 مساء






في تقويم العشق تمر المناسبات تباعا، وقد يمر بعضها دون أن نقف على لحظاتها بكل مفردة منها لنقول لمن نحب ما يجب أن نقول، غير أن عيدا كالأول من آب لا يمر دونما أن نقف لنصلي لـ "جند الله".
لعشاق هذه الأرض المباركة عيدهم، وقد يكون من المفارقة بمكان أن هؤلاء العشاق غير معنيين بالعيد أكثر من عنايتهم بالنصر الذي امتطوا لأجله صهوة الشمس، كيما يعيدوا لحبيبتهم ابتسامتها، ومنهم من غادرنا باسما إلى الله، يحمل في قلبه شغفا مباركا يقيه حر الغياب.
هم المختارون ليعيدوا للسماء زرقتها، ليعيدوا للأرض ألوانها وخرير الماء، ليعيدوا لساحاتنا هديل الحمام، ليغزلوا من ضوء القمر خواتما لحبيباتهم اللواتي يجلسن على قارعة الانتظار في مدننا والقرى، يمنين النفس بفستان أبيض، وبعض من الضحكات الصغيرة، وهم المختارون أيضاً ليكونوا على جبهات العشق حين المواقف تريد رجالها.
وتقول عجوز ترك الزمن من آثاره الكثير على كفيها: "يا بني.. الحرب بدها زلمها"، هي تعرف أن بعضا من قلبها معفرا بتراب البادية، يمضي ورفاقه نحو المعركة ناسيا أن له عيد، فلا عيد إلا صبح النصر في عرف المقاتلون، ولا نصر يأتي بدون تعب ودم، وتصبر العجوز روحها بصوت يأتي من بعيد متقطع، لكأن المسافة فعلت به فعلها، يقول: "يمة أنا بخير.. أدعيلنا"، تغص بدمعتها حين تدعو له ولرفاقه، ثم تقول: "بس يجي بدي أجوزه".
وعلى رصيف مشقق كالطرقات التي أخذت روحه نحو الجنوب، يقول كهل حنى التعب ظهره: "تستاهل هالبلاد دمنا"، ويحير السؤال بالبحث عن أجابته، أي جبروت لدى هؤلاء، كيف يصبر على الغياب كهل يدرك أن أبنه يمتشق كل فجر بندقيته ليقاتل عدوا لا يفكر في شيء سوى القتل، والقتل عادة بربرية تعلمها العدو من سادته، يضحك الشيخ من السؤال ليهمس: "اليوم عيد الزلم يا بني.. افرح بنصرهم ولا تفكر كيف عملوه، أحسن ما تجن".
يقول جندي متعب ببعض من جراحه: "حين أقف.. سأعود إلى الجبهة، فهناك سنسخر من عدونا ومن خلفه"، وحين تسأله عن جراحه، يقول: "مرت على خير.. لي بقية من العمر والماء الذي سأشربه من هذه الأرض لم يخلص بعد".
رباه، أي ماء سقيت هذا الشعب الذي يلتف حول جندك مؤازراً صمودهم في كل فجر، أي فرحة باتت تسكن نفوسهم كلما مر الأول من آب، لكأنهم يحتلفون بعيد لأنبياء جبلتهم من صبر وعزم، وأي فرحة تلك التي تقرأها ملائكتك على وجوه الشهداء الذين مروا إلى سماواتك باسمين ﻷنهم كانوا قرابين هذا الفرح الذي نعيشه من على أرضك المباركة، وأي كلام يقال في عيدهم.
هو عيد لـ "الزلم"، وحدهم من حفظ الابتسامة على وجوه أطفال ما زالوا قادرين على اللعب في حدائق مدننا، القائمون على ليلنا، المحترقون بحر نهاراتنا، الواقفون على صراط العشق بكل ما أوتوا من حياة، القابضون على إيمانهم بالحق، والحق أرضهم التي يطأون، ويزلزلون بعدوهم، هو عيد للذين علموا العالم كيف يكون "الزلم" في زمن الشدائد فتهون، فحمدا لله على ما رزقنا من "زلم"، وحمدا له على "نعمة الجيش".

 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]