دروس فنزويلية..

دروس فنزويلية..

رابط مختصر


المصدر: عاجل - مواقع
القسم: مقالات مترجمة
01 آب ,2017  02:28 صباحا






إن زعزعة الإستقرار الواسعة النطاق التي تتعرض لها فنزويلا- الحلقة الأخيرة في الحرب الخفية ضد هذا المزعج في "الحديقة الخلفية" الإمبريالية- تعطي بعض الدروس التي من المفيد لأنصار التغيير الجذري- أي غير التجميلي- أن يتمعنوا فيها.

الدرس الأول، هو أنه لا يمكننا بناء بديل سياسي دون المجازفة بالمواجهة الحاسمة مع مالكي رؤوس الأموال، سواء كانوا داخل أم خارج الحدود. إن البديل السياسي يعني بالضبط عكس "التداول"، أي مجرد التغيير البسيط للطاقم الحاكم. إنه مسار أكثر عمقاً بكثير، لايكتفي بمجرد تعديلات سطحية، بل يضع بكل وضوح البنى التي تحدد تقاسم الثروات موضع التطبيق.
هذا البديل السياسي تتضح هويته إذن مع الإستيلاء الصريح، من قبل الشعب، على كل مايخص السيادة. إنه يفترض قطع جميع الصلات التي تربط البلاد بالرأسمال الأجنبي المهيمن وبالرأسمال المحلي "الكمبرادوري" التابع. لكن ذلك يعتبر مهمة ضخمة. ما إن يتم التفكير بذلك، حتى يندمج الثقل الموضوعي للبنى الموجودة مع الحرب الضارية التي يشنها الأغنياء للحفاظ على امتيازاتهم الطبقية. تصف الصحافة العالمية فنزويلا بأنها بلد مفلس، لكنها تنسى أن تحدد أنه إفلاس يصيب بلد رأسمالي من أميركا اللاتينية. لقد أنجز هذا البلد تطورات مهمة حتى سنة 2014، لكن غياب التحويل البنيوي تركه في حفرة التبعية الإقتصادية. ونتيجة إفلاسه بسبب هبوط أسعار النفط، لم يعرف- أو يتمكن من- بناء نموذج بديل.
إن كان قطاع الطرق في اليمين الفنزويلي قد اندفعوا إلى شوارع كاراكاس تحت صيحات التهليل من قبل الصحافة البرجوازية والدوائر الغربية، فذلك لأن مادورو ليس كاسترو ولا تسيبراس. لو كان كاسترو، أي لو أن فنزويلا استعادت سيادتها بشكل كلي وانخرطت في مسار التطور المستقل غير الرأسمالي، لما كان هنالك قطاع طرق في كاراكاس. لكنها السياسة الخيالية: مادورو ليس كاسترو، وفنزويلا ليست كوبا. بالمقابل، مادورو ليس من طينة تسيبراس أيضاً. إنه لا ينوي الإستسلام والخضوع للمعارضة بالرغم من الأزمة الإقتصادية الخطيرة التي تشهدها البلاد. متخذاً القرار-أم مستسلماً- بالبقاء مابين هذه الثنائية، ليس بإمكان مادورو أن يتنكر للتشافيزية التي يعتبر وريثها أو أن يدفع قدماً نيران "الثورة البوليفارية" التي أوقفها عملياً شلل البلاد الإقتصادي وانتصار المعارضة الإنتخابي.
إن الأزمة التي تعصف منذ سنة 2014 تجنح نحو نسيانها، لكن التشافيزية حملتها حركة اجتماعية قوية لازالت بعيدة عن التلاشي، وهو ما أثبتته المسيرة التشافيزية الكبرى التي جرت بتاريخ 19 نيسان 2017. منذ انتخابه لأول مرة سنة 1998، ناضل تشافيز ضد الأحكام المسبقة العرقية والطبقية. نجح في جعل الفقر والأنية يتراجعان بشكل مذهل. وبتأميمه النفط أعاد للأمة حقها في التحكم بثرواتها الطبيعية. كما أحدث إنقلاباً في السياسة الخارجية حيث قطع العلاقات مع "إسرائيل" وأسس التحالف البوليفاري وقام بتحدي العم سام في قلب "حديقته الخلفية" في أميركا الجنوبية. مدعومة بالشعب الفنزويلي، هزت التشافيزية بعنف الفوضى القائمة منذ زمن طويل في أميركا اللاتينية والتي تعمل لصالح الشركات المتعددة الجنسية من أميركا الشمالية والبرجوازية العنصرية الخادمة لها .
بالطبع لم تقم "الثورة البوليفارية" بالقضاء على كل شرور المجتمع الفنزويلي بين ليلة وضحاها، وقد حملت معها حصتها من الأخطاء والنواقص. استعملت الثروة النفطية لكي تخرج الشرائح الإجتماعية الأشد فقراً من البؤس، ولكنها تخلت عن تحويل البنى الإجتماعية العميقة في البلاد. لا يزال الإقتصاد في فنزويلا واقعاً تحت أيدي البرجوازية الرجعية التي تقوم بتنظيم أعمال تخريبه من أجل تسعير الأزمة وطرد مادورو من السلطة. ليست الحكومة هي من خلق التضخم بنسبة تفوق المئة، والجمود الذي تقودها إليه الغالبية البرلمانية المعارضة يجب أن يخفف من حدة الأحكام المتسرعة حول مسؤولية الحكومة.
منذ انتخاب هذه الغالبية البرلمانية الرجعية، في شهر كانون الثاني 2015، يحلم اليمين الفنزويلي المدعوم علناً من واشنطن والذي يظهر بشكل دائم على وسائل الإعلام العميلة، يحلم بسحق مادورو وبتصفية التشافيزية. إن "الثورة البوليفارية" رغم أنها لم تحمل من الثورة سوى الإسم، قد أطلقت العنان للحقد الإنتقامي من قبل الأغنياء وأثارت العدوانية الأميركية القاتلة. وحين يشعر اليسار التقليدي بالسخط بسبب الضحايا –المزعومين- للقمع البوليسي وليس بسبب العمليات الدموية لليمين المتطرف، ينسى هذا اليسار أنه ليست كل تظاهرة في الشارع هي تظاهرة تقدمية دوماً، وأن المطالب الديمقراطية قد يتم استخدامها كواجهة للرجعية، وأن الإضراب قد يساهم في زعزعة حكومة يسارية، مثل حركة سائقي الشاحنات التشيليين سنة 1973.
لقد تم نسيان هذا الدرس من قبل التقدميين المتبرجزين في البلدان الغنية، ولكن التقدميين الحقيقيين في أميركا اللاتينية يعلمون جيداً أنه : إذا أردنا تغيير مجرى الأمور، يجب العمل على الهياكل الأساسية. أي تأميم القطاعات الأساسية، الحماية ضد العولمة الليبيرالية، استعادة الإستقلال الوطني، تعزيز التحالف الدولي بين الدول ذات السيادة، الحشد الجماهيري من أجل توزيع أفضل للثروات، محو الأمية، التعليم والصحة للجميع هي أوجه مختلفة لمشروع تقدمي واحد. على العكس مما تزعمه الإيديولوجيا التي تعيد تدوير الترهات الإشتراكية-الديمقراطية القديمة، ليست الجذرية هي التي تحكم على مثل هذا المشروع بالهزيمة، بل الخوف من تبني هذه الجذرية.
ما إن  يهاجم فيها المشروع التقدمي المصالح الجيوسياسية والجيو-إقتصادية للقوى المهيمنة، حتى يتجاوز الخط الأحمر. وحين يتم تجاوز هذا التوجه، فإن كل خطوة غير حذرة تصبح قاتلة. إن الإمبريالية وأعوانها المحليين لا يقدمون الهدايا. لماذا يتوجب عليهم فعل ذلك؟ لم يترك فرانكو أية فرصة أمام الجمهورية الإسبانية (1936)، ولا المخابرات الأميركية أمام محمد مصدق (1953)، ولا موبوتو أمام لومومبا (1961)، ولا سوهارتو أمام سوكارنو (1965). لقد ارتكب سلفادور الليندي الخطأ المأساوي بتعيينه بينوشيه وزيراً للدفاع، وكان لإخلاص الحرس الرئاسي الدور الأساسي في سلامة تشافيز. لا يكفي أن تكون إلى جانب الشعب، بل يجب امتلاك الوسائل من أجل عدم خسارة الشعب وذلك بترك أعدائه يمتلكون الكلمة العليا. وكما قال باسكال، لا يكفي أن تكون العدالة على صواب، بل يجب أن تكون قوية كذلك.
كالعادة، لم يفهم القسم الأكبر من "اليسار" الغربي شيئاً وهو يقوم بالعواء مع الذئاب. وبما أن مصدر معلوماته الوحيد هو صحيفة لوموند، يقوم هذا اليسار بالطلب من مادورو التنحي من السلطة لوضع حد للأزمة. بمواجهة تمرد بضعة آلاف من أبناء العائلات وجماهير من البروليتاريا الرثة المخدوعة، يجب على رئيس فنزويلا المنتخب بشكل شرعي أن يتعرض للإذلال. مستسلماً أمام الشارع، يجب عليه التراجع عن الدعوة لإنتخاب جمعية تأسيسية (بتاريخ 30 تموز الحالي) التي تتمتع بمزية وضع السلطة في أيدي الشعب، كما يدل اسمها. بسبب عجزه عن جعل مصيره كمصير الليندي، فإن هذا اليسار "الإنساني" سوف يشعر بالإبتهاج، بدون شك، بأن يرى مادورو ينتهي مثل تسيبراس (رئيس الوزراء اليوناني الحالي الذي خان جميع وعوده الإنتخابية وتخلى عن يساريته وخضع للرأسمالية الأوروبية). لم يتم الظفر بالمعركة بعد، والشعب الفنزويلي هو من يملك الكلام القاطع.

المقال للكاتب "برونو غيغ"/ ترجمة: علي إبراهيم  لموقع أورهاي


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]