قبسٌ.. من رجال الشمس

قبسٌ.. من رجال الشمس

رابط مختصر


المصدر: محمود عبد اللطيف
القسم: مقالات
18 تموز ,2017  23:18 مساء






قد يكون من المحزن أن تنظر إلى صورة رجال عفرهم تراب البادية التي يقاتلون عدوهم فيها، لكن من الموجع أن تعرف أن كل من في الصورة شهداء، قضوا معمدين بتراب البلاد التي أحبوا، ومضوا باسمين، وقد يكون من المحزن أكثر أن تعرف إن لكل شهيد حكاية تستحق الوقوف طويلاً لسردها على من منحهم حياته ليعيشوا آمنين.

"ستنتهي الحرب ونرجع لحياتنا" يقولها الجندي الواقف في تحت شمس لا تفرق بين بشر وحجر في قسوتها، والابتسامة عريضة على شفتيه اللتين غطاهما التراب، يشرب الماء الذي يحال إلى طين ما أن تمسه قطرات ملتهبة بفعل الشمس، ثم يقول: "الطريق إلى الفرات لن يكون طويلا"، وليس من الغريب أن تلمس عزيمة لا تفسر لدى من قست عليهم الحرب بحزنها، وبحرها، وبطولها، وبكل ما يمكن التخيل، إلا أن صورة جندي آخر يقف فوق السيارة العالية بحثا عن إشارة التغطية لهاتفه المحمول تثير الانتباه، تقترب ليبادرك بضحكة "أريد أحكي مع الخطيبة"، وليس من الغريب أن هذا العاشق يجيد الموازنة بين الحرب والحب، وليس من الغريب أيضا أن تقرأ شهقة حزن في عينيه حين يعجز عن سماع صوت حبيبته، إلا أنه يمني النفس بـ "نصر مؤزر" يعود إليها به عودة الفاتحين الذين رآهم في الأفلام، وقرأ عنهم في الكتب.
على صخرة مرمية في زاوية المكان، يجلس ثلة من العسكر، يطالعون صور رفاقهم على أجهزتهم المحمولة، يقول أحدهم وهو مشيرا لصورة رفيق استشهد: "كان يموتنا من الضحك"، ويعرف الرفاق ان الدم أمانة غالية، وكل شهيد انتهت حكايته في هذه الحرب المجنونة، ترك دمه أمانة في عنق من لا يخون الأمانة.
يشير قيادي إلى احتمالات الطريق، فالفرات شمال شرقي، يأتي بريح ندية سيكون الوصول إليها لذيذ الفرح، وفي العمق، جبل عال اسمه "البشري" الوصول إليه يعني خطوة نحو "الصامدين في دير الزلم"، والتوسع جنوباً، يعني حصار العدو في "السخنة" وهذا أيضاً يعد طريقا سريعا نحو "الدير"، حيث صمد الرجال فيها سنوات بوجه العدو والجوع، وغدر أمريكا، ويعرف الجميع أن احتمالات الوصول وإن كانت صعبة لابد أن تتم، فالوصول إلى هذا المكان الواقع إلى الجنوب من السخنة، يعني ألا طريق للعودة إلا من الشرق، من "الدير" بعد إسقاط الحصار، كلها احتمالات، وكلها فرح و
سورية هي العملية 100%، يقولها أحد المقاتلين الواقفين على مشارف العدو ساخراً من "البعبع" الذي صنعته واشنطن من مجموعة من الجهلة، أو فاقدي التفكير، ويهمس: " لا أنكر دور الرديف والحليف، لكن هنا لا يوجد إلا رجال الشمس، وآساد الله على أرضه"، وقد يكون للأمر وقع خاص في روح المتلقي لهذه الكلمات، فالنصر سيكون تعزيزا لمكانة السوري في قائمة المقاتلين الأشد بأسا على وجه الأرض.
على هذه الأرض، مرت حكاية العشق البدوية مع الزمن ولم يبقى منها سوى بضع قصائد يغنيها "رعاة الماشية" العابرين للبادية، على هذه الأرض مر الكثير من الغزاة، لكن هذه الأرض، كفرس أصيلة لا يعتلي صهوتها إلا فارسها، ولهذه الأرض، حكايات وإن قست بحزنها علينا، سيكون فرحها مكتمل الحب حين انتهاء الحرب.


الصورة: لكوكبة من الشهداء الذين مروا إلى الله باسمين من بوابة البادية


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]