صبر "الأسد" الاستراتيجي .. وإخضاع المفاوضات بـ"النار"

مقالات متعلقة

صبر "الأسد" الاستراتيجي .. وإخضاع المفاوضات بـ"النار"

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ماهر خليل
القسم: سياسة - محلي
16 تموز ,2017  09:04 صباحا






قد يكون من المبكر القول أن "أيّام تنظيم داعش باتت معدودة"، ما دام هناك مجال للـ"المداعبة السياسية" التي مازالت الولايات المتحدة تمارسها بين الحين والآخر، لكن من المنطق القول أن "الصبر الاستراتيجي" الذي اختارته القيادة السورية لمكافحة "الإرهاب الدولي" تجاه سورية انتصر، على الأقل عندما تمكن الرئيس السوري بشار الأسد من الحفاظ على أعمدة الدولة واقفةً بقوّة، بالرغم من كل الضربات والتصدّعات التي أصابتها جراء هذه الحرب المجنونة منذ عام 2011.
من يتابع الحراك السياسي والميداني خلال الأشهر القليلة الماضية ضمن منطقة الشرق الأوسط، يفهم أن اللعبة السياسية والعسكرية خرجت عن سيطرة الدّاعمين الدوليين وانحصرت بيد الدولة السورية وحلفائها، فمن غير المقبول القول أن التغيير السياسي الذي أصاب النظام السعودي الشهر الماضي عندما "أقيل" محمد بن نايف من منصبه كولي لعهد النظام الحاكم وسجنه في بيته، ليحل محلّه المراهق المغامر محمد بن سلمان، وبدء الترويج له في الأوساط الخليجية والعربية والدولية وكأنه "المهدي المنتظر" الذي سيحكم العالم يوماً ما، من غير المقبول القول أن هذا التغيير كان بفعل "الديمقراطية" التي تعيشها السعودية، بل جاء بفعل الفشل الذريع للسياسة الخليجية تجاه سورية أوّلاً، وتجاه طهران ثانياً. ففي سورية ومنذ عام 2015، امتلكت القيادة السورية زمام المبادرة على الجبهات الدبلوماسية والعسكرية معاً، وبدأت تدريجياً تنتقل من موقع الدفاع إلى الهجوم والسيطرة والتحرير المُطلق، بعدما نفذت كل وسائل الجبهة المعادية في إسقاط الدولة السورية، أما تجاه إيران، فبدلاً أن تنجح السياسة السعودية بإلغاء الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، لتحل محلها، تسببت المراهقة السعودية بتوسع إيران طولاً وعرضاً، ولم يقف الغباء السعودي عند هذا الحد، لا بل أسقط معه كل مشاريع الدول المتحالفة مع المملكة، فهاهي تركيا اليوم تُعاني من عزلة "أوروبية" ومن عدم الثقة الأمريكية، وسيطرة كردية شبه مطلقة على حدودها مع سورية والعراق، أيضاً لم يقف الوضع المزري لهذه الدول عند هذا الحد، فقد انتقلت من "نظرية الحصار"، إلى الجهة المُحاصَرَة وما يجري تجاه مشيخة قطر ما هو إلا بداية الطريق الذي سينسحب لاحقاً إلى دول خليجية أخرى قد تكون الإمارات التي لا تسير أحوالها مع المملكة على خير ما يرام، أو مثلاً "البحرين" الذي نظامها الحاكم في غلوّه الدموي تجاه معارضيه.
من جهة أخرى، فإن التقدم الأخير للجيش العربي السوري وبدء دخوله عمق سيطرة تنظيم داعش في البادية السورية، وشقّه الطريق الصحراوي باتجاه مدينتي دير الزور والرقة، كان صدمة كبيرة على الأمريكي الذي لم يتحسّب للنهضة السورية المفاجأة، فعندما هدد ووعد إذا اقتربت القوات السورية من "معبر التنف" الحدودي مع العراق، فوجئ بالإصرار السوري العراقي على فتح الحدود من جانبين، وعندما أطلق مع "القوات الكردية" الانفصالية معركة تحرير الرقة، بدأ الجيش بالهبوط عامودياً من ريف حلب الشرقي إلى أرياف الرقة الجنوبية والجنوبية الغربية والسيطرة السريعة والمتسارعة عليها، ومع انتهاء الجيش العراقي من معركة الموصل، كانت وحدات الجيش العربي السوري بدأت بقرع أبواب دير الزور من خمسة محاور، بدأها من ريف السويداء، واستمر بها من عمق البادية، وصولاً إلى جبهة ريف السلمية الشرقي، وسط انهيارات سريعة للتنظيم الإرهابي تكاد لا تعطي الوقت اللازم للقوات الأمريكية بإخلاء "قيادات داعش" على غرار ما فعلت في الموصل قبل سقوطها بشكل مطلق بأيام، حسبما أظهر مقطع فيديو صوّره مقاتلي داعش للطائرات الأمريكية وهي تحلق فوق مناطق سيطرته بارتفاع منخفض جداً، لحدٍّ يمكن إسقاطها بـ"حجر" وليس بأسلحة مضادة للطائرات أو منظومة دفاع جوي كالتي موّلتها واشنطن وحلفائها منها لتنظيمي داعش وجبهة النصرة سواءاً في دير الزور أو ريف اللاذقية أو إدلب على سبيل المثال، من بين عشرات الأمثلة المثبته بالصور والفيديوهات.
أضف إلى ماسبق، إعلان المبعوث الأممي إلى سورية ستافان ديمستورا مساء الجمعة انتهاء جولة "جنيف7" مكابراً على نفسه بالقول أنه "تحقق تقدّم طفيف"، في المحادثات السورية – السورية دون أن يذكر أين كان هذا التقدّم أو الخرق، لكن الدكتور بشار الجعفري رئيس وفد الحكومة السورية كان أوضح عندما قال أن المحادثات تركزت على "مكافحة الإرهاب" أولأً، و"مسائل تقنية دستورية" ثانياً، أي أن كل ما كانت تسوقه له المعارضة المسلحة ومن خلفها دول أوروبية وأمريكا عن "إسقاط النظام " و"ورحيل الرئيس الأسد" عن السلطة، سقط مع سقوط هذه المعارضة، ومن ثم مع نجاح "الصبر الاستراتيجي" الذي اختاره الرئيس الأسد كوسيلة ناجحة في صد هذا الجنون الدولي تجاه سورية، وبالرغم من كل الانتقادات التي وجهت لخطاب الأسد الذي كان يتوجّه به إلى الشعوب الغربية لتبيان حقيقة ما يجري في سورية، كانت هناك أصوات تصدح مطالبةً بتوجيه الخطاب إلى الداخل السورية، لكن الرئيس الأسد فضّل مخاطبة العقل الغربي الذي يتعرض يومياً لبربغندا مدروسة هدفها تجييش الرأي العام ضدّه، بالتزامن مع مخاطبة الشعب السوري الذي يعيش حقيقة ما يجري بكل تفاصيلها، "بشكل مباشر".
اليوم، يمكن القول أن القيادة السورية استطاعت الضغط على الجبهة المعادية لها بـ"النار"، فتوسيع جبهات الاشتباك بعد سبع سنوات من الحرب المستمرة، هي "مُغامرة" فرص الربح فيها شبه معدومة، لكنها ليست مستحيلة، فعندما يُقال أن الجيش فتح أبواب "البادية" على مصراعيها عسكرياً أمام داعش، كان هناك من يعيش حالة "تشاؤم" خوفاً من خسارة الجيش الجبهات كلها دفعة واحدة، لكن ما حصل أن رقعة السيطرة توسعت.. انهيارات متتالية لتنظيم داعش.. عودة عشرات القرى وحقول وآبار النفط والغاز لسيطرة الدولة، إضافةً إلى "جمود إجباري" على باقي الجبهات خاصة "الجنوبية" منها، بعد أن "ناورها" الجيش لأيام نارياً، فطلبت "الهدنة" بوساطة أمريكية وتشجيع أردني، في وقت يجري حديث روسي – أمريكي عن تحويل الهدنة إلى منطقة "خالية من الاشتباك"، أي منطقة خالية من الفصائل المسلحة والسلاح، أي عودة المنطقة الجنوبية إلى كنف الدولة السورية عن طريق المصالحات المتسلسلة التي أثبت نجاحها واستمرارها في بعض بلدات درعا، ما أثبتت أن الأزمة السورية قابلة للحل بأسرع ما يمكن أن يتخيّله البعض، أضف إلى ذلك، بدء عودة بعض النازحين السوريين في لبنان، إلى مناطقهم التي حررها الجيش في القلمون السوري، وهو ما أجبر الولايات المتحدة على فتح حوار مع موسكو حول إنهاء الأزمة السورية مع الحفاظ على قوام الحكم في سورية، على الأقل لضمان منع انهيار هذه الدولة التي أثبتت كما قال الرئيس بشار الأسد، أن انهيارها سيؤدي إلى انهيار الشرق الأوسط وربما أوروبا.. وما يجري حالياً من "تكويع سياسي" تجاه الحكومة السورية، ما هو إلا إثبات آخر على بُعد رؤية الرئيس الأسد وفهمه الصحيح للطريقة التي يفكّر فيها "الحلف المُعادي".


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]