حصاد الشيطان

حصاد الشيطان

رابط مختصر


المصدر: عفيف دلا
القسم: مقالات
01 أيار ,2017  14:54 مساء






لا يكمن الشر والخطر في مكان واحد أو ينحصر في لحظة معينة أو مرحلة محددة فهو دائم الوجود يظهر بأشكال مختلفة ومتباينة بدءاً من الذات وليس انتهاءً بالآخر ذاك المتعدد الوجوه والمسميات.
وفي سياق المعركة التي نخوضها تعددت مسميات الأخطار ووجوهه وأدواته فكانت في البداية من الداخل بمحركات خارجية ثم تحولت إلى أدوات داخلية وخارجية على السواء وبين الحين والآخر يظهر وجه الأصيل إلى جانب وكلائه إلى أن جاءت المرحلة التي كشف الأصيل عن ذاته بكل وضوح.
لكن في الحقيقة ما كنا ربما لنرى وجه الشر الأصيل لولا تعطل أذرعه عن القيام بمهامها المطلوبة، فهذه التبدلات في الأدوات والأدوار بين الوكيل والأصيل ليست ترفاً أو مزاجاً برغبة الأصيل في مثل هذه الصراعات الكبرى بل هو ضرورة ملحة أملاها الواقع؛ واقع تعثر الأدوات وعطالة تحقيق الأهداف واختلاط الأوراق وتباين المصالح بين حلفاء المحور الواحد، فليس من الصواب قراءة تغيرات مسار الصراع على أنها قرارات يتخذها محور العدوان بملء إرادته ودون أي اعتبارات سوى اعتباراته هو؛ وإلا نكون نقرأ من زاوية واحدة ضيقة هي زاوية العدو دون زاوية من يواجه هذا العدو وأدواته؛ ونكون نفترض خطأً أن محور العدو هو الثابت ونحن وساحة الصراع المتحول في هذه المعادلة؛ في حين أننا نمسك حقاً بكثير من أطراف الصراع مع حلفائنا ولولا هذا لكانت انتهت المعركة وحسمت لصالح العدو بشكل أو بآخر.
واليوم تأتي الولايات المتحدة بعتادها وعديدها لتنتهك الأرض السورية في الشمال بالتوازي مع ما يشاع تحضيره في الجنوب وما تسعى إليه مرتزقتها في الشرق وما يمكن أن يتحرك في الغرب، لكن نجد الكثير يندفع في قراءته السياسية للأحداث تجاه تحليل الحدث دون وضعه في سياقه الزماني والمكاني وبالتالي يحول ذلك دون فهم حقيقة ما وراء هذه التحركات ولماذا يتم التسريب بشأنها في وسائل الإعلام المختلفة وفي مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية والعسكرية ويروج لها وكأنها الواقع الي لا مفر منه عاجلاً أم آجلاً، متوقعين أن ذاكرتنا قد مسحت بالكامل كي لا نتذكر كيف كانت تسوق أخبار ما يحضر لنا في الأروقة ومطابخ القرار الدولية سواء كانت ضربات عسكرية أو سياسات عزل أو إشاعات عن انهيار اقتصادي وسياسي أو تسليم طوعي للسلطة والدولة وتفريط هادئ بالأرض والقضية، وكأنها مسائل وقت في حينها لا أكثر وأنها أمر واقع بحكم قوة العدو وطغيانه، فلا نذكر أن سنوات سبع قد مضت ولم يتحقق ما كانوا يتحدثون عنه لا بل أن المتحدثين لم يعودوا موجودين على الساحة وإن بقيت السياسات العدوانية ذاتها، وأن واقعنا اليوم عسكرياً وسياسياً أفضل بكثير وحلفاءنا مما كان عليه الوضع في السابق، فما بال تلك المخاوف إزاء مشاهد التهليل من أزلام الولايات المتحدة لدباباتها وجحافلها في القامشلي؟ هل هو حقاً مشهد جديد؟ وهل يختلف من كان يعمل على تحقيق الأجندة الأميركية عن الأميركي نفسه؟ هل لمجرد اختلاف من يقوم بالمهمة سيختلف المنظور للخطر؟ فالخطر في الشمال لم يتغير.. فمن كان يتحرك لتنفيذ الخطة الأميركية واجهناه جميعاً ولم يفلح بمهمته، فأتت الولايات المتحدة بنفسها، لكن السؤال: هل احتمالية النجاح تغيرت في تحقيق خطتها؟ فهي كانت تستطيع أن تمد أداوتها بكل المستلزمات لتحقيق المطلوب لكن مجيئها اليوم يكرس وجوداً عسكرياً بمضمون سياسي بحت، فهي تدرك العوائق جيداً لكنها ورقة جيدة للتفاوض وفرض الإرادة وتغيير قواعد الاشتباك داخل ساحة الصراع، فلنتذكر جيداً أن آلافاً مؤلفة من مرتزقة أميركا لم تنجح في تحقيق الهدف فهل سينجح مئات من الجنود الأميركيين؟ أم الوجود المباشر اليوم لتصفية فاعلية الأدوات وتأثيرها والانفراد بما تريده هي أن يكون دون الحاجة لهم بعد سبع سنوات من الفشل؟
فالخلاف الأميركي التركي يعود للواجهة مجدداً، ويتخذ شكلاً حاداً على خلفية الوجود الأميركي الذي يبدو أنه لدعم الفدرالية الكردية في الشمال السوري، فضلاً عن أن السوريين الكرد ليسوا جميعهم داعمين لفكرة الانفصال والفدرالية، كما أن هذا المشروع غير قابل للحياة وإن تم، فكيف لمثل هذه الفدرالية أن تتنفس سياسياً واقتصادياً وهي من جهة سورية دويلة غير شرعية ومن جهة تركيا كيان معادي، وتقوم في جغرافية ضيقة ولو كانت غنية بالنفط الذي يحتاج لسنوات كي يبلور قدرة اقتصادية لكيان وليد، فهو حتى إن ولد سيولد مشوهاً أو ميتاً.
إن لعبة كبرى اليوم تديرها أميركا اليوم في المنطقة والعالم ستأتي على جزء من حلفائها في المنطقة الذين ظنوا أنهم قادرون على تسخير السياسة الأميركية في المنطقة لخدمة مصالحهم هم قبل مصالحها هي، واذا ما تعارضت المصالح فيكون اللجوء لإسرائيل للضغط على الولايات المتحدة للبقاء في المنطقة بشروط حلفائها قبل شروطها، ولذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تحتوي هذا التباين في المصالح كي لا تكرس قدراتها لخدمة مصالح غيرها فتغدو هي وسيلة لتعاظم قطبية بعض الأطراف الإقليمية التي ربما ستتحكم بمصالح الولايات المتحدة نفسها لاحقاً في المنطقة وترسم حدودها، وأن تعود هي لتمسك بزمام المبادرة في الصراع وتفرض شروطها من خلال التلويح بعصاها الغليظة من بوابة القوة العسكرية وضربتها الأخيرة لمطار الشعيرات السوري، وتواجد قواتها في محيط مطار الطبقة بريف الرقة واليوم في القامشلي، فالتواجد العسكري يعيد إلى الأذهان الجبروت الأميركي والقوة الضاربة التي تستطيع من خلالها أميركا فرض ما تريد على كل أطراف الصراع أدواتها الإقليمية، فالأدوات عموماً بحاجة ضبط سواء تلك الإرهابية التي تتقاتل اليوم فيما بينها على امتداد رقعة وجودها في الأرض السورية دافعة إلى الواجهة خلافاً بين المرجعيات الإقليمية المحركة لها وتحديداً القطري والسعودي وبما ينعكس ذلك على ضعف نفوذ كليهما في المعادلة الميدانية، إضافة إلى تحجيم اللاعب التركي غير الموثوق أميركياً وإعادته إلى الحظيرة الأميركية والعمل بالتوازي مع إسرائيل في سبيل تحقيق ذلك والتلويح بما يمكن فعله من بوابة الجنوب السوري.
لكن في الحقيقة أن كل ذلك محكوم بعوامل معقدة ترتبط بالوجود الروسي في ساحة الصراع والقدرة السورية شعبياً وعسكرياً على المواجهة، وبالتالي فإن الحراك الأميركي يستهدف قبل كل شيء ترتيب أوراق محوره وإعادة ضبطها لتكريس قوته في ساحة الصراع وعدم زيادة حدة التباين بين الولايات المتحدة وحلفائها بما يضمن تحقيق مصالحها العليا دون مصالح حلفاء تزداد مشكلاتهم في قلب الصراع وفي محيطهم الجيو سياسي.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]