الأسلحة الكيميائيّة.. ودور الجواسيس الفرنسيين والإسرائيليين في سورية

الأسلحة الكيميائيّة.. ودور الجواسيس الفرنسيين والإسرائيليين في سورية

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ترجمة: بشار جريكوس
القسم: مقالات مترجمة
28 آذار ,2017  17:06 مساء






تناولت صحيفة "لو موند" الفرنسية ملف ما أسمته "الحربٌ السرّيّة المخصصّة للجواسيس"، واصفة معاركها بالتوحد ضمن تحالفات، وصراعات بين وكالات استخبارات قوميّة فيها جبهة ضد جبهة تحت اسم مسألة تُعتبر حيويّة وهي مكافحة انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائيّة".
"لو موند" قالت أنها تمكّنت من الإطّلاع على تفاصيل عمليّة سرّيّة للغاية، يُطلق عليها اسم"راتافيا"، تقودها، في فرنسا، أجهزة الإستخبارات الفرنسيّة ونظرائهم من الإسرائيليين في الموساد، ضد برنامج سرّي للأسلحة الكيميائيّة تعمل الحكومة السورية على تطويره، ووفق الصحيفة نجحت العمليّة في الحصول على معلومات دقيقة حول الترسانة السورية، قبل وأثناء الحرب السورية، التي بدأت في عام ٢٠١١.  
المعلومات التي حصلت عليها "لو موند" من مصادر قضائية، والتي تسرّبت من الأجهزة الإستخباراتية والدبلوماسيّة، تكشف السّتار عن درجة المعرفة الحقيقيّة التي كانت تستفيد منها، في تلك الفترة، الدّول الغربية فيما يخص برنامج الأسلحة الكيميائيّة لدمشق، قبل ثلاث سنوات من شجبها للبرنامج، وبحسب الصحيفة فإن التعاون بين حليفين مُقرّبَيْن سَمَح، على مايبدو، منذ عام ٢٠١١، بإثارة مشاعر المجتمع الدولي حول التّهديد الّذي تشكله الحكومة السورية وبمحاولة ممارسة الضّغط من أجل إسقاط الدولة.
وبحسب الصحيفة، تقول المعلومات التي نقلها الموساد، عام ٢٠١١، إلى الجهاز المركزي للإستخبارات الدّاخليّة والإدارة العامة للأمن الخارجي الفرنسيّيْن، أن العمليّة انطلقت قبل عامين، أي في ٢٠٠٨، في دمشق، عبر تقّربٍ، استمرّ لمدّة طويلة، من سوري يعمل لدى برنامج تطوير وإنتاج وتخزين أسلحة كيميائيّة وصواريخ مُوجّهة، وخاصة أن التّجسّس على سورية يُعدّ أولويّة أساسيّة بالنسبة للموساد.
وبحسب دبلوماسي فرنسي، الشّكوك القويّة التي كانت تحوم حول ضلوع الإستخبارات الإسرائيليّة في الإعتداء الخطير، الّذي حصل في عام ٢٠٠٧، على موقع (السّفير) دفع دمشق إلى رفع مستوى السّرّيّة وإجراءات الأمن. وهذا ما أقلق إسرائيل.
وأضافت الصحيفة: "الهدف إذاً لم يكن تصفية المسؤولين عن البرنامج بل إيجاد مصدر سوري على اطّلاع بالأسلحة الكيميائيّة، ومعرفة الصّلات، في هذا المجال، مع الحلفاء: إيران، روسيا، كورية الشّماليّة، والتّعرّف على شبكات الإمداد. وخلال عامين، وبواسطة مُخبر محلّي، في دمشق، نجح الموساد في نسج علاقة مع الهدف، الأمر الّذي استدعى جمع كل العناصر لتأليف قصّة مُحكمة تعمل على إقناعه بالخروج من دمشق ليتمكّن الموساد من التقرّب منه".
وتابعت الصحيفة: "على اعتبار أنه يسكن في دمشق، فقد كان محط اهتمام أجهزة الدولة وبعد أن تم تحليل الثغرات النّفسيّة في شخصيّته، اتضح أنه شخصٌ حالمٌ رومانسي، و نجح مُخاطِبُهُ بإقناعه أنّ قدراً آخراً ينتظره، وأنه قادرٌ على القيام بوظائفه الخاصّة بالتوازي مع خدمة بلده، عندها، ارتسم في ذهنه سيناريو السفر إلى الخارج، وعلى الأخص إلى فرنسا، البلد الصّديق لسورية، وفق نظريّة لا تحمل أي خطر عليه، لتشغيل شركته المستقبليّة للإستيراد والتّصدير. لكن الشّخص لا يتمتّع بحريّة كاملة. لأسباب أمنيّة سورية، وهنا دخلت أجهزة الإستخبارات الفرنسيّة على الخط، إذ إنها سهّلت الحصول على تأشيرات سفر وفتحت الأبواب دون أن يرى المَعنيّ بالموضوع في هذه التّسهيلات أنها طرقٌ ملتوية. أثناء تردّده إلى فرنسا، انضمّ فريقٌ من الجهاز المركزي للإستخبارات الدّاخليّة وعملاء من الإدارة العامّة للمخابرات الخارجيّة إلى خطة الموساد، العمليّة سُمّيت بـ"راتافيا"، واستمرّت عدّة سنوات. والتحقت بالخطّة أيضاً المخابرات الأمريكية ونظيرتها الألمانية.
وتطرقت الصحيفة إلى الحياة التي عاشها "السوري" قائلاً: "حين حط في باريس، قاده رجل إلى فندق يقع في المنطقة ١٣. من جانبه الموساد، ولعلمه بعادات الإستخبارات السّوريّة في العاصمة الفرنسيّة، أكّد أنه لا خشية من الملاحقة التي قد تقوم بها السفارة السورية في باريس. ومنذ ذاك الحين، تعامل الشّاب السوري مع شخصٍ أوهموه أنه رجل أعمال إيطالي، وأصبح مصدر ثقته ومستشاره الّذي ينصحه ويُعرّفه على مُخبرين، دون علمه فكان جزءاً كبيراً ممّن يحتكّ بهم، رجال أعمال، سائقي تكسي، أو وسطاء، هم في الحقيقة عملاء من الموساد، ولعبت المخابرات الدّاخليّة دور الضّامن وأمّنت جزءاً من لوجستيّات المراقبة الفنيّة، لا سيّما، تسجيل المحادثات في السيّارات وغرفة الفندق أو حتّى فحص محتويات الحواسيب".
وتابعت الصحيفة أن "اللقاء الأول عُقِد في فندق فاخر، جورج الخامس، في باريس، وبدأت مهمّة التّحليل النّفسي للهدف (الشّخص السوري) تسير بشكل مُدهش منذ البداية، على اعتبار أن صديقه المستشار أتاح له فرصة الإستفادة من سيارته وسائقها، ومن نمط حياته المُترفة، مُنتشيٌ، نافدُ الصّبر، ضيّقُ الأخلاق، لقد خُدِع الشاب السوري من قبل الموساد الّذي تمكّن من إيهامه بصدق هذه الحكاية التي ظنّ أنها نقطة انعطاف في حياته المهنيّة. وقد أكّد الموساد لشركائه الفرنسيّين أن الهدف لا يُحسّ بنفسه أنه خائن ولا يُسرّب المعلومات الإستخباراتيّة بسهولة".
وتابعت الصحيفة وفق معلوماتها الخاصة أنه كان "شخصٌ حازمٌ، ولو أنه يُظهر نوعاً من حسّ الفكاهة، لم يُحبّذ الرجل كثيراً مشروع مُستضيفيه باصطحابه إلى لعبة (الحصان الجامح). وهؤلاء لن ينجحوا في جرّه إلى تمثيل مشهدٍ موسيقي (ماما ميا)، الّذي لن يتلاءم بما فيه الكفاية مع فكرته في التّسلية. وقد نجح أخيراً مرافقوه حين جلبوا له شيشه إلى غرفته في الفندق. من بين عشرات عملاء الموساد المُجنّدين من أجل الدّور الفرنسي في هذه العمليّة، كان عدد الأخصّائيّين النّفسيّين يساوي، أو يزيد، عدد الفنّيّين أو عناصر القوّات الخاصّة السابقين".
وأضافت الصحيفة: "خلال إقامة السّوري في فرنسا، اقترح أصدقاءُ مستشارهِ الإيطالي أن يبيعوه تجهيزات أو أن يعرّفوه على مورّدين لها. لقد أغنى الموساد معرفته عن البرنامج الكيميائي السوري حين علِم ما يبحث عنه الشّخص السّوري. بعد ذلك، اكتشف الموساد والمخابرات الفرنسيّة الدّاخليّة والخارجيّة المتعهّدين الثانوييّن والوسطاء والمصنّعين الفرنسيّين والأوروبييّن الّذين يحاولون الإستفادة من اقتصاد انتشار الأسلحة الكيميائيّة".
وأكملت الصحيفة: "اعتاد السوري على تلقّي النقود والهدايا، ومع أنه قد أُمِر بأخذ الحيطة والحذر من محيطه، إلّا أن الرّجل وقع في الفخ، وبدأ شيئاً فشيئاً يُسرّب معلومات مع إبدائه الشّعور بأنه موالي لدمشق، من آثار التأثير النفسي الّذي مورس عليه بدقة هو أن يعيد تفكيره في فكرة اقترحها عليه الأخصّائيّون النّفسيّون للموساد تتعلّق بمساعدة ابنة مسؤول سوري رّفيع كان تربطه بها علاقة قوية على تحقيق مشاريع شخصيّة".
ووفق الصحيفة: "يؤكّد الأخصّائيّون النّفسيّون للموساد أن التّقنيّة النّفسيّة تكمن بإشراكه في النقاشات والقرارات المتّخذة، بدءاً من أبسطها وانتهاءً بالمشتريات والبحث عن التّجهيزات، بطريقة سيعلم بنفسه أنه تجاوز الخط الأصفر. كمين مُحكم وقع فيه، فقد أصبح يُسرّب مزيداً من المعلومات، خصوصاً عن ترسانة الأسلحة الكيميائيّة التي تمتلكها سورية، والمُقلق أكثر، هو علم الموساد بوجود مشروع امتلاك شاحنات إطلاق صواريخ".
وتابعت "لوموند" بيد أنه في عام ٢٠١١، انطفأت النّشوة وأبدى الهدف، وبصوتٍ عالٍ، شكوكاً حول حقيقة هويّة مستشاره ذي الإسم الإيطالي، لكن بعد فوات الآوان، المال الّذي تلقّاه منعه من التّراجع، الموساد من جانبه، حصل على معلومات جوهريّة مكّنته من دعم ملفّه ضد سورية عند الأمريكيين الّذين كشّروا عن أنيابهم للتدخّل من جديد في الشرق الأوسط والأدنى، وفي عام ٢٠١٢، أعلن أوباما، أن أي استخدام أو تحويل للأسلحة الكيميائيّة تقوم بها الحكومة السورية يعني تجاوزاً "للخط الأحمر"، واستعدّت فرنسا وأمريكا، بتحريض من الإستخبارات الإسرائيلية، لعمليّة عسكريّة أوقفها أوباما في اللحظة الأخيرة، نهاية آب ٢٠١٣.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]