في دمشق .. الجيش "يُفاوض" بالنار

مقالات متعلقة

في دمشق .. الجيش "يُفاوض" بالنار

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ماهر خليل
القسم: سياسة - محلي
20 آذار ,2017  00:33 صباحا






لم يكن صباح يوم أمس الأحد يوماً عادياً على سكان العاصمة دمشق، الذين استفاقوا على أصوات انفجارات واشتباكات عنيفة، بعد هجوم أقل ما يمكن وصفه بـ"الانتحاري" نفذته الميليشيات الإرهابية في شرق دمشق بهدف وصل مناطقهم بحي القابون الذي بات مطوّقاً بشكل شبه كامل، منتظراً الضربة القاضية التي ستسقطه بيد الجيش العربي السوري.
في الشكل، تأخذ العمليات العسكرية الدائرة شرق العاصمة بعد الهجوم الإهابي "الكثيف" الذي نفذته ميليشيات "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن" بدعم من جبهة النصرة، هذا الدعم الذي يظهر لأول مرة منذ بداية الأزمة السورية إلى العلن، خاصة بعد أن تبنّت "النصرة" المفخختين اللتين لم يؤتيا ثمارهما على تحصينات الجيش، فيما تبنّى "جيش الإسلام وفيلق الرحمن" الهجوم البري، والذي حتى مساء الأحد لم يُسجّل خرق استراتيجي باتجاه قلب العاصمة في ساحة العباسين كما ادعوا صباح أمس، تأخذ شكل محاولة وصل مناطقهم في الغوطة الشرقية بحي القابون، حيث فشلوا في ذلك نتيجة "الأطواق الثلاثة" التي صنعها الجيش في محيط منطقة العمليات، فيما كان الهجوم متوقعاً مع بدء وحدات الجيش العربي السوري عملياتها البرية في حي القابون قبل ثلاثة أسابيع، إلا أنه تأخر حتى يوم الأحد.
إذاً، بدأ الهجوم من جهة جوبر صباح الأحد بسيارتين مفخختين إحداهما "عربة BMB" ناقة للجند، لحقتها سيارة "قٌمامة" استهدفت إحدى مواقع الجيش التي تم إخلائها قبل الهجوم بساعات قليلة، تزامن ذلك، مع تسلل نفذته الميليشيات الإرهابية عبر سلسلة أنفاق باتجاه "شركة الكهرباء" و"معمل النسيج والغزل" و"معمل كراش"، بهدف تثبيت نقاط "قنص" على اتستراد السفر "دمشق - حرستا"، وهو ما حققوه لساعات قبل أن يمتص الجيش الهجوم ويبدأ هجوماً معاكساً في القطاع، استعاد على إثره "شركة الكهرباء" وأوقع مجموعة إرهابية بأكملها قتلى في "معمل النسيج"، حيث تمكّن حتى مساء الأحد من استعادة "معمل كراش" الذي لم يسيطر عليه الإرهابيين إلا أن وحدات الجيش المحصنة فيه، حوصرت لساعات قبل أن تأتي قوات الدعم وتفك الحصار عنهم وتبدأ منه عملاً عسكرياً بهدف السيطرة على النقاط التي تقدمت إليها الميليشيات الإرهابية.
في الحقيقة أن صمود وحدات الجيش من "حرّاس الجمهورية" في قطاع المولات صباحاً، لعب دوراً كبيراً في كسر الهجوم "الانتحاري"، حيث يشكّل القطاع نقطة فصل استراتيجية مع الاتستراد الدولي باتجاه حي القابون "المطوّق أصلاً" بقوات من نخبة الجيش العربي السوري، وبالتالي فإن استمرار هجوم التنظيمات الإرهابية كان "استنزافياً" لصالح الجيش، حيث من المتوقع خلال الساعات القليلة القادمة أن تعود الأمور إلى نصابها.
في المضمون، فإن الهجوم الانتحاري ما هو إلا محاولات عبثية من التنظيمات الإرهابية في ريف دمشق الشرقي، لانتشال نفسها من مستنقع الخسائر "السياسية" التي مني بها وفدها في أستنة أو جنيف، حيث عاد خالي الوفاض أمام وفد الدولة السورية هذا من ناحية، من ناحية فإن أصابع "النظام السعودي" ظاهرة للجميع في تحريك الجبهة الخامدة منذ أكثر من عامين، بعد سلسلة "عواصف" كانت تهدف للسيطرة على العاصمة، إلا أن بعد فشلها بدت وكأنها "رياح" انقلبت على أصحابها حيث اكتشفت التنظيمات حينها أنها استنزفت نفسها "مجاناً" أمام سور دمشق العالي جداً. أضف إلى ذلك "المصالحات" التي عمّت محيط دمشق بشكل كامل، فالسعودية تعرف جيّداً أن سقوط حي القابون يعني "تسليم" بلدة برزة نفسها تلقائياً، ويعني سقوط "حرستا" نارياً بشكل كامل، أي "مصالحة" قريبة لن تكلف الدولة السورية إلا عدداً من "الباصات" ومن ثم سيبدأ العمل العسكري "الفعلي" باتجاه باقي بلدات الغوطة الشرقية وأوّلها "جوبر".
هذا الهجوم، ليس الأول الذي تدفع فيه السعودية "إرهابيّيها" إلى مقتلهم فيه، فنظام آل سعود الذي دفع وفد محمّد علوش لمقاطعة جلسة جنيف، يريد قبل الوصول إلى الجلسة المزمع عقدها خلال الأيام القادمة، أن يدخلها وفد الإرهابيين بقوة، أي بعد تحقيق "ايّ تقدّم" على مدخل العاصمة، وإنقاذ القابون أو محاولة إنقاذ الحي الذي قبل يوم أمس، كان يترنّح بانتظار ضربة الجيش القاضية، فلم يمنح الهجوم حتى اللحظة الميليشيات "قوّتها" قبل جلسة جنيف، ولن يحمي القابون من الضربة القاضية التي من المتوقع أن تتزامن مع فشل الهجوم الإرهابي.
هنالك احتمالية أخرى لأهداف الهجوم وضعها المتابعين ضمن الفرضيات، هي أن يكون الهجوم هو رد فعل التنظيمات الإرهابية في الغوطة الشرقية على استثناء الدولة السورية إياهم من "منطق المصالحات"، بعد تعنّت تلك الميليشيات ورفع سقف الشروط التي رفضتها الدولة السورية من أصلها، حيث يريد "جيش الإسلام وفيلق الرحمن" إخراج قيادات إرهابية ألقت القوات السورية القبض عليهم في "مناسبات سابقة"، ويريدون أن تبقى مناطق الغوطة الشرقية تحت سيطرتهم "مع وقف كامل لإطلاق النار"، وهو ما رفضته الدولة السورية وارتأت حينها أن استمرا العمل العسكري في المنقطة هو الدواء الشافي من داء الإرهاب.
وفي هذه المناسبة لا بد من التذكير ببعض الوقفات التي مرّ بها الإرهابيون قبل خروجهم "بالباصات الخضراء" إلى إدلب:
1- لم يتحرك الجيش في حمص إلا بعد أصبحت بابا عمرو قلعة حصينة للإرهابيين، و باتت تشكل خطر كامل على حمص لِما تحمله من موقع جغرافي مهم من محاورها الأربعة،
حينها حسم الجيش العربي السوري المعركة و كانت باكورة العمل العسكري لإستعادة حمص المدينة كاملة.
2- في بانياس عندما "عشعش" الإرهابيون في أحيائها و وصل الحد للتهديد بقصف المصفاة و قصة البارجة الألمانية و تلك الحقبة ككل، كان الساحل يرقد على قنبلة موقوتة، لكن فاجئنا الجيش بخطة أمنية محكمة استعاد بها بانياس آمنة تماماً.
3- في كسب عندما سقطت التلة 45 و جبل النسر و وصول الإرهابيين إلى مياه البحر، انتفض حينها الجيش بصورة أسطورية و استعاد كل النقاط و وصل إلى معبر الحدود التركي.
4- في القصير عندما توسع زحف الإرهابيين ليشمل الريف الجنوبي الغربي لحمص بالكامل إلى أن وصلو إلى آبل على أطراف تحويلة حمص تقريباً، حينها بدأ الجيش بعملية واسعة و سيطر على تل النبي مندو و أصبحت المنطقة الآن من أمن المناطق في سورية.
5- في حلب و الهجمات المتتالية بأمواج بشرية مهولة من الإرهابيين، سيطرو فيها على الكليات العسكرية و فتحو ثغرة إلى الأحياء الشرقية، كان يومها من أخطر أيام حلب على الإطلاق، لكن الجيش اليوم لم يغلق الثغرة فحسب بل استعاد حلب المدينة كاملة، و ها هو الآن على ساحل بحيرة الأسد بالريف الشرقي.
هذه الأمثلة ليست لإثبات ثقة الشعب السوري بالجيش العربي السوري، فسنوات الأزمة السبع أكدت هذه الثقة ولسنا بحاجة لإثباتها، لكن لطالما كانت القضية بالرغبة و ليست بالقدرة، أي رغبة الجيش تأتي عند يطفح الكيل من ممارسات الإرهابيين، خاصة وأن سورية تصغي للمجتمع الدولي بكل بإحترام ، ولديها الرجل الدبلوماسي الأول الذي يحفظ و يناقش بالقانون الدولي عن ظهر قلب، وبالتالي للدولة السورية حساباتها بأن ما تفعله يأتي ردة فعل و ليس فعل، وهو ما سينطبق اليوم على الغوطة الشرقية خاصة دوما وجوبر معقل الإرهاب في سورية، فالأيام القادمة ستثبت صحّة "التكتيك" العسكري الذي يستخدمه الجيش في "الإخضاع السريع" لمناطق طالما تمرّدت باسم "الثورة"، وعندما يدخلها الجيش تتكشف حينها حقيقة هذه "الثورة" وارتباطاتها الإخوانية التي تشكل السعودية وقطر وتركيا رأس حربتها هذه الأيام.
إذاً .. لا خوف على دمشق طالما أطواقها مازالت متماسكة، وطالما جيشها يحميها بسلاحه ووروحه ودمه، وطالما أهلها مازالوا السيف الحامي لظهر الجيش الذي مابخل عنها منذ عام 2011 .. وحتى يومنا هذا .. والايام القادمة، ستثبت أن الهجوم الإرهابي لن يُصرف لا في المؤتمرات الدولية ولا في الميدان السوري، فالقابون ستستقط وتعود لسيطرة الجيش .. وكذلك الغوطة الشرقية ..
 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]