وصية شهيد

وصية شهيد

رابط مختصر


المصدر: عفيف دلا
القسم: مقالات
27 شباط ,2017  15:44 مساء






انظروا إلى الأمام .. لا تلتفتوا إلى الوراء مجدداً .. فلنترجل عن صهوة الماضي ولنتركه يرقد بسلام .. فحاضرنا أدار ظهره لنا .. ومستقبلنا يكاد لا يعرفنا .. ولا نحن ندرك ملامحه .. فنحن لا نزال كالطفل المسكون بذكرى مشيمته.
إن عدونا لا يتواجد حولنا فقط .. ولم يفد إلينا من خارج الحدود فحسب .. بل هو داخلنا .. في عقولنا المصابة بداء الموروث الذي طغى على كل حدود التفكير وبات ناصية فهم كل شيء من حولنا، فكل فكرة أو سلوك يجب أن تتوافق مع مضامين العرف والتقاليد والشريعة !! ولو كانت تلك الفكرة تقودنا إلى التهلكة؛ ولو كان ذاك السلوك يفصلنا عن الواقع.
إن السلاح ليس فتاكاً وليس قاتلاً بل من يمسك به ويستخدمه لغرض القتل هو القاتل  والفتاك .. فالسلاح أداة صماء تطيع من يقودها، ولذلك فالإرهاب لا يستدل عليه بأولئك القتلة الحاملين للسلاح فحسب بل بأولئك الحاملين لفكر الإرهاب والمستعدين للقتل والإجرام، حيث هم الآن قنابل موقوتة تمشي بيننا لا أحد له أن يكتشفها إلا عندما تكشف هي عن نفسها من خلال عمل إرهابي هنا أو هناك.. أي بعد وقوع الإرهاب وخسارة الأرواح.
ها هم مجرمو العصر يرتكبون مجزرة في حمص من خلال ستة إرهابيين مفخخين بفكر الوهابية وابن تيمية القذر وبأدوات القتل والتفجير فاستهدفوا مقر الأمن العسكري وأمن الدولة في حمص ليرتقي 42 شهيداً وعشرات الجرحى من خيرة القيادات الأمنية، وبالتوازي مع المفاوضات المنطلقة في جنيف التي يحاول داعمو الإرهاب شرعنته سياسياً، والاستمرار باستثمار دمويته على الأرض.
لم نعتبر حتى اللحظة مما جرى ولم ننظم صفوفنا كمجموع شعبي كما يجب، لم نرقى إلى مستوى دعم جبهة الجيش داخلياً حتى الآن، فمعظمنا جمهور يصفق للمنجزات دون أن يدفعه "حماسه النضالي" "وانتمائه الوطني" كي يكون شريكاً في صنع هذه المنجزات، نتكئ على كتف الأحزان ونطلق ألسنتنا بالأدعية الراجية رحمة وعفواً، وما كنا نؤمن أن الإنجاز لا يكون بالدعاء فقط وأن التباكي لا يعيد أماناً ولا استقراراً ولا شهيداً ولا غائباً، وإنما الإصرار على المواجهة من أجل الهوية، فنحن جميعاً زائلون شهداء.. لكن الهوية تحتاج إلى تضحيات بحجمها كي تبقى، والتضحيات ليست حكراً على لون أو فئة أو طائفة لأن الهوية للجميع، لجميع من يستحقها ويضحي من أجلها.
فمعركتنا اليوم ليست على حدود جغرافية بل على ملامح الهوية، واستهدافنا اليوم ليس من أجل تغيير سلوكنا بل كي نتنازل عن القضية، والحرب نحن من يحدد طول مدتها أو قصره من خلال مستوى مواجهتنا ولا سيما في الجبهة الداخلية كمجتمع يتعاضد مع بعضه ويحشد طاقاته من أجل المواجهة فلا يستغل بعضه ولا ينهش بعضه ولا يتكيف مع مفرزات الحرب فيصبح جزءاً لا يتجزأ منها ويرتبط وجوده باستمرارها.
وعملنا في الجبهة الداخلية ينطلق من تطويق كل مظاهر وملامح الفكر المتطرف ولا سيما الديني منه أينما وجد، فلا مسايرة على حساب دماء الشهداء الذين ينتظرون منا فعلاً لا دموعاً ، وإصراراً على المواجهة لا تخاذلاً وانكفاءاً ، والبندقية تنتظر اليد التي تحملها مدافعة عن الأرض والإنسان والهوية والقضية، ولن يكون هناك التقاط لهذه البندقية إلا من يد مؤمن بكل ما سبق وليس من يعتبر نفسه مضطراً أو مجبراً لالتقاطها، فبندقية الحق كالفرس الأصيل لا يجيد امتطاءه إلا فارس مقدام أما الجبان فلا مكان له على صهوات الجياد ولا قبضات الزناد.
وصية كل شهيد هي عدم البكاء أولاً وعدم السماح لليأس أو الإحباط بالتسلل إلى داخلنا، وأن نكون أوفياء بحق للدماء الزكية فلا نرخص بها تخاذلاً في المواجهة أو خوفاً وتقهقراً، بل أن نعلي بها جدار الحقد على الأعداء المتربصين أولئك الذين يحملون السلاح أو المنتظرين التحريك على خارطة العدوان من حملة الفكر المتطرف الذي يتلطى خلف قداسة الشريعة وحاكمية العرف الاجتماعي، والذي يدفع الكثير منا إلى الاعتقاد إلى أننا بمجرد التمسك بهذه القيم البالية وما يرتبط بها فنحن بألف خير حتى لو قتلنا بعضنا بعضاً، ولو فاض الدعاة الإسلاميون عن علماء الرياضيات والذرة، وغصت شوارع مدننا بالجوامع والمساجد بدلاً من الجامعات والمدارس، وحتى لو لم نعد ننتتج مفكراً أو عالماً أو أديباً أو كاتباً فأمتنا بخير بالدعاء والرجاء لرب لم نفقه من كل تعاليمه شيء وهو الذي وجهنا بأن نقوم بفعل دون أن نتّكل على أحد في أول كلمة بوحي القرآن الكريم " إقرأ " بمعنى افعل ولا تنتظر أحداً، اعقل ولا تؤمن بالغيبيات، كن منفتحاً لا منغلقاً، وغيرها من مفاهيم وقيم الإنسانية الحقيقية لا الدونية الوهابية القذرة التي تجتاح مجتمعاتنا.
فلنطوق أصحاب هذا الفكر ولنلاحقهم ثأراً لدماء كل شهيد، ولنجعلهم منبوذين في كل وسط يوجد فيه أحد منهم، فلا نهادنهم ولا نسايرهم فوقت المجاملات انتهى عندما بتنا وباتت هويتنا وقضيتنا ووطننا على المحك، أمام الوطن تسقط كل الاعتبارات ويبقى هو فحسب، ونموت جميعاً ليحيا هو فقط، فلا قيمة لأي شيء دون الوطن والهوية، وسيستمر الصراع إلا أن نقضي على كل المتآمرين ونجتثهم من جذورهم مهام طال أمد معركتنا معهم.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]