مخطط انهيار "النظام" السوري، وفقاً لمذكرة لـ(CIA) رُفعت عنها السرية مؤخراً

مخطط انهيار "النظام" السوري، وفقاً لمذكرة لـ(CIA) رُفعت عنها السرية مؤخراً

رابط مختصر


المصدر: مركز مداد
القسم: مقالات مترجمة
23 شباط ,2017  19:04 مساء






استعرضت وثيقة لوكالة المخابرات المركزية  الأمريكية –السي آي أيه (CIA)، رُفعت عنها السرية مؤخراً، سيناريوهات متعددة لانهيار "النظام السوري" في وقت كانت فيه حكومة الرئيس الراحل حافظ الأسد تخوض حرباً في الخفاء مع "إسرائيل" والغرب، وسط أزمةٍ دبلوماسية شهدت مستوىً غير مسبوق من العزلة على سورية.
 فالمذكرة التي تقع في 24 صفحة، والتي عُنونت بـ"سورية: سيناريوهات تغيير سياسي دراماتيكي"، صدرت عام 1986 وتم توزيعها على مديري الوكالة، وموظفين رفيعي المستوى في إدارة الرئيس رونالد ريغان، بما في ذلك مستشاري الرئاسة، ومجلس الأمن القومي، والسفير الأمريكي في دمشق.
 نُشرت هذه الوثيقة في آخر ما أصدرته وكالة المخابرات المركزية (ما جاء في محرك البحث الخاص بالوكالة على شبكة الانترنت)، ضمن مايزيد عن تسعمئة ألف وثيقة رُفعت عنها السرية مؤخراً.
قيودٌ مشددة على التقرير
تُقدم رسالة التغطية الخاصة بالوثيقة (المذكرة)، والتي صاغها مدير قسم الشؤون العالمية في وكالة المخابرات المركزية (تم إعداد التقرير من قبل مركز التخريب الخارجي وعدم الاستقرار التابع للقسم المذكور)، الهدفَ من وراء القيام «بعدد من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بالرئيس حافظ الأسد، أو إلى تغييرٍ جذري آخر في سورية». ويحذر التقرير  من أن أي « تحليل خارج السياق قد يؤدي لسوء الفهم، لذا فقد تم فرض قيود مشددة على توزيعه»، كما أن القائمة المحدودة التي وُزع عليها (حيث أُرسل إلى رؤساء محددين للأمن القومي وليس للوكالات بأكملها) تشير إلى أنه كان يتم التباحث به على أعلى المستويات في إدارة ريغان.
الحرب الطائفية  القادمة في سورية
تتضمن قائمة محتويات التقرير بعض المقاطع المثيرة والتي تبدو منسقة على نحو ٍ لافت مع الأحداث التي تكشفت بعد عقود لاحقة مع بداية الحرب في سورية 2011، ومنها مثلاً:
رغم أننا نعتبر أن الخوف من أعمالٍ انتقامية ومشاكل تنظيمية قد تجعل من أي احتجاج ثانٍ يقوم به "السنَة" من غير المرجح وقوعه، فإن ردَّ فعلٍ مفرط قد تقوم به الحكومة إثر اندلاع معارضة "سنية" على  مستوى صغير  قد يثير اضطرابات واسعة النطاق. يملك "النظام"، في معظم الحالات،  الموارد اللازمة لسحق حركة المعارضة "السنية"، ولكننا نعتقد أن انتشار العنف على نطاق واسع بين السكان يمكن أن يحفز أعداداً كبيرة من الضباط "السنة" والمجندين إلى الانشقاق أو إلى التمرد، ما يمهد الطريق لحرب أهلية (ص 2).
 يُستخدم " الاحتجاج السني  الثاني" هنا للإشارة إلى الحرب الطويلة التي شنتها الحكومة السورية سابقاً ضد تمرد الإخوان المسلمين  والتي بلغت ذروتها في أحداث حماة 1982. وفي حين إن التقرير يقلل من أهمية التكوين الوطني والتعددي في حزب البعث الحاكم، فإنه يضع تصوراً لتجدد اشتعال خطوط الصدع المذهبية واستغلالها لتأليب سكان سورية من "السنة" ضد "القيادة العلوية":
يشكل "السنة" ستون بالمئة من الضباط السوريين ولكنهم  يتركزون في صفوف صغار الضباط، حيث إن أغلب المجندين هم من "السنة". ونعتقد أن تجدد العنف الطائفي بين "العلويين والسنة" يمكن أن يدفع "السنة" في الجيش لينقلبوا على "النظام" (ص 12).
الإخوان المسلمون وتغيير "النظام"
لقد أُعطيت إمكانية أن تشكّل جماعة الإخوان المسلمين رأس الحربة في تمرد مسلح آخر، يقع في المستقبل ويؤدي إلى تغيير "النظام"، اهتماماً كبيراً. وفي حين تشير نبرة الوثيقة إلى أن هذا السيناريو   هو سيناريو مستقبلي على المدى الطويل (ولا سيما بالنظر إلى  أن جماعة الإخوان عانت من الهزيمة الساحقة وأصبحت  تعمل بشكلٍ سري في سورية في منتصف الثمانينات)، إلا أن هذا السيناريو  عُدّ "على الأرجح" واحداً من أهم  ثلاثة سيناريوهات لتغيير النظام (تشمل  السيناريوهات الأخرى "الصراع على السلطة" و "تغييرات عسكرية]عكسية[ تُطلق شرارة الانقلاب").
لقد عُرضت  إمكانية إحياء "فصيل مسلح" للإخوان المسلمين  في المقطع الآتي:
رغم أن القمع الذي تعرّض له الإخوان المسلمون أدى إلى تراجع  كبير في مستوى النزاع المسلح، فإننا نقدّر أن هناك إمكانية كبيرة لا تزال قائمة لحدوث حركة معارضة "سنية" أخرى.لقد كان دور الإخوان المسلمين يقوم في جزء منه على استغلال وتنظيم الأنشطة المعارضة التي تقوم بها جماعات منظمة أخرى. ولا تزال هذه الجماعات موجودة، ويمكن أن تندمج في حركة كبيرة إذا كانت هناك قيادة مناسبة ... فهناك أصحاب المهن من الشباب الذين شكلوا قاعدة الدعم للفصيل المسلح في جماعة الإخوان المسلمين، ومن تبقوا من جماعة الإخوان نفسها الذين يمكن أن يصبحوا قادة في حركة معارضة "سنية" جديدة ( ص 13-14).
يُنظر لدور الإخوان ]أعلاه[ على أنه دورٌ يصعّد من احتمال حدوث حركات احتجاج  "سنية" تكون صغيرة في البداية، ما تلبث أن تتحول إلى "حربٍ أهلية" طائفية عنيفة:
كانت النزاعات التي يقوم بها "السنة" في حدها  الأدنى منذ أن "سحق" ]الرئيس حافظ[الأسد تمرد الإخوان المسلمين في بداية ثمانينات القرن العشرين- ولكن لاتزال  التوترات العميقة موجودة- ما يُبقي على إمكانية وقوع حوادث طفيفة تتطور لتصبح الشرارة الرئيسة للعنف الطائفي ...قد يرى "السنة" في قمع الحكومة المفرط لمثل هذه الاضطرابات دليلاً على وجود "ثأر" لديها ضد "كل السنة"، ما يُحرّض على احتجاجات أكبر حتى من قبل جماعات "سنية" أخرى (...) إذ ستكثّف الحكومة من استخدامها للقوة وتشن هجمات عنيفة واسعة على  قادة من "الطائفة السنية" فضلاً عن أولئك المنخرطين في الاحتجاجات، بسبب استنتاجها الخاطئ أن هذه الاحتجاجات الجديدة قام بها الإخوان المسلمون؛ وستذهب جهودها لاستعادة النظام سدى في حال أدّى العنف الذي تستخدمه ضد المتظاهرين إلى حدوث عنف طائفي كبير  بين "العلويين والسنة" (19-20).
 يصف تقرير (وثيقة) وكالة المخابرات المركزية  المرحلة الأخيرة من "حرب طائفية" تتطور وتشهد تدفقاً للمقاتلين والأسلحة من الدول المجاورة. وبالاتساق مع تقريرٍ سري صدر عام 19833، والذي دعا إلى عملية  سرية تقوم بها الولايات المتحدة، من خلال استخدام العراق، الذي كان آنذاك حليفاً لواشنطن، كقاعدة للهجوم على سورية، يقول التحليل الذي صدر عام 1986، إن «العراق ربما يزودهم بأسلحة كافية لشن حرب أهلية».
يمكن أن تدفع حملة عامة من "العنف العلوي ضد السنة"، حتى "السنة المعتدلين" للانضمام إلى المعارضة. ويمكن أن يشكل بقايا جماعة الإخوان المسلمين- بعض من عادوا من المنفى في العراق- النواة القيادية للحركة. ورغم أن النظام لديه الموارد لسحق هكذا مغامرة، إلا أننا نعتقد أن "الهجمات الوحشية" على المدنيين "السنة" قد تدفع بأعداد كبيرة من الضباط "السنة" والمجندين إلى الانشقاق أو إلى تنظيم عمليات تمرد دعماً للمنشقين، حيث يمكن أن يزودهم  العراق بأسلحة كافية لإطلاق شرارة حربٍ أهلية  (ص 20-21).
 
"نظامٌ سني" يخدم المصالح الاقتصادية الغربية
رغم أن الوثيقة، في المقام الأول، هي بحثٌ نظري في سيناريوهات إضعاف ومن ثم انهيار "النظام السوري" (الغرض منها هو التحليل وليس بالضرورة السياسة)، فإن مؤلفيها يعترفون بطبيعتها "الاستفزازية المُتعمدة" (انظر التمهيد)، حيث تنتهي بقائمة من النتائج المرجوة؛ إذ تصف إحدى النتائج الاستفزازية "نظاماً سنياً مُذعناً" في خدمة المصالح الاقتصادية الأمريكية:
ستكون مصالح الولايات المتحدة، برأينا، في أفضل حالاتها حين يخدمها "نظامٌ سني" يسيطر عليه المعتدلون من رجال الأعمال. إذ سيرى  رجال الأعمال المعتدلون حاجة ماسة للمساعدات الغربية والاستثمار لبناء اقتصاد  ]قطاع[خاص في سورية،ما يمهد الطريق أمام علاقات أقوى مع الحكومات الغربية (ص 24).
وللمفارقة فإن الحكومة السورية اتهمت الولايات المتحدة وحلفائها بالتخريب بشكلٍ سري داخل سورية بعد أن أدّت سلسلة من التفجيرات داخل سورية إلى توتراتٍ دبلوماسية خلال منتصف الثمانينات.
الحيل القذرة والدبلوماسية في الثمانينات
كان عام 1986، وفقاً لكتاب باتريك سيل البارز "أسد سورية: الصراع على الشرق الأوسط"**، العام الذي شهد أكبر عزلة على سورية من قبل القوى العالمية حيث كانت الأزمات الدبلوماسية المتعددة وأحداث الإرهاب أن وضعت سورية أكثر فأكثر في دائرة العزلة.
 شملت أحداث  ذلك العام "قضية الهنداوي" – وهي محاولة "مولتها الاستخبارات السورية" لخطف وتفجير طائرة  لشركة العال متجهة إلى تل أبيب- ومن غير المؤكد أن نزار  الهنداوي كان عميلاً مزدوجاً لصالح إسرائيل. ونتيجة لهذه المؤامرة التي لم يكتب لها النجاح انهمرت الإدانات الدولية على سورية، وماتزال هذه الواقعة تُعتبر واحدة من المؤامرات الإرهابية الأكثر شهرة وغرابةً في التاريخ. فلم تكن  سورية وإسرائيل على شفير حرب في عام 19866 وحسب، ولكن استُغلت  أيضاً سلسلةٌ من  تكتيكات "الحيل القذرة" من "جانب سورية" وأعدائها الإقليميين  للتأثير على النتائج الدبلوماسية، وذلك في لبنان والأردن بشكل رئيس، ففي آذار/مارس  ونيسان/أبريل من العام 1986 (أي قبل أشهر من توزيع مذكرة السي آي أيه) هزّت سلسلة تفجيرات بالسيارات المفخخة، والتي لا تزال غير مفهومة إلى حدٍ كبير ، دمشق وما لا يقل عن خمس مدن أخرى في جميع أنحاء سورية، ما خلَّف أكثر من مئتي ضحية من المدنيين في موجة وصفت الأخطر من بين الهجمات التي وقعت منذ الحرب السابقة مع جماعة الإخوان المسلمين في الفترة من 1979-1982 (انظر أيضاً ماجاء في أخبار البي البي سي عن عدد الهجمات).
يُخمن كتاب باتريك سيل فيما يخص التفجيرات «أنه ربما لا تكون مسألة منفصلة أن في أواخر عام 1985 كان كل من العقيد أوليفر نورث من مجلس الأمن القومي، وأميرام نير  وهو مستشار لبيريز  في مكافحة الإرهاب، يضعان أدوات تدبير المكائد القذرة للرد على رعاة  الإرهاب المزعومين في الشرق الأوسط .***
الاتساق مع ملفات ويكيليكس
إن القارئ الذي يقرأ بشكل عرضي مذكرة "سورية: سيناريوهات تغيير سياسي دراماتيكي"
 سوف يدرك مباشرة وجود تفكير استراتيجي ]أمريكي[ حول سورية، يبدو مماثلاً إلى حدٍ كبير لما تُظهره  مذكرات الأمن القومي التي وُضعت في السنوات  اللاحقة في الفترة التي سبقت الحرب الحالية في سورية. فعندما تتحدّث برقيات أمريكية أو وثائق المخابرات فيها عن تغيير "النظام" في سورية، فهذا يعني أن أمريكا تُعدّ استراتيجية تهدف لاستغلال خطوط الصدع الطائفية. بمعنى آخر،  هذا هو النهج الاحتياطي (الخطة باء) البيروقراطي  للأمن القومي الأميركي حول سورية. ولقد ورد أحد الأمثلة الشهيرة جداً ]عن هذا النهج[ في برقية لوزارة الخارجية صدرت في كانون الأول/ ديسمبر 20066، أرسلتها  السفارة الأمريكية في دمشق (نشرهها موقع ويكيليكس في وقت لاحق)، وكان الهدف المُعلن في البرقية استكشاف ثغرات و نقاط ضعف "النظام" السوري لاستغلالها (بطريقة مماثلة لمذكرة  وكالة المخابرات الصادرة عام 1986).
اللعب على وتر "المخاوف السنية" من النفوذ الايراني: هناك مخاوف في سورية من أن الإيرانيين ينشطون في "التبشير الشيعي" وفي تحوّل معظم الفقراء "السنة" إلى "التشيع". لكن  هذه المخاوف،  التي كان يتم المبالغة بها، تعكس هواجس مكون ضمن "الطائفة السنية" في سورية ينتابه القلق  بشكل متزايد، ويركز  على فكرة انتشار النفوذ الإيراني في سورية من خلال الأنشطة التي تتراوح بين بناء المساجد والأعمال التجارية.
يشرح قسمٌ آخر من برقية 2006 بالضبط السيناريو ذاته الذي ورد في المذكرة الصادرة عام 1986 عن الإمكانية المتزايدة لوقوع "رد فعل مفرط قد يأتي بنتائج عكسية" من جانب "النظام":
تشجيع  الشائعات وإشارات عن وجود تآمر خارجي: إن "النظام" حساسٌ بشكل كبير  للشائعات التي تُطلق حول مكائد لتدبير  انقلاب وإحداث بلبلة في الأجهزة الأمنية والعسكرية. ولذا ينبغي تشجيع الحلفاء الإقليميين مثل مصر والمملكة العربية السعودية للاجتماع مع شخصيات مثل [نائب الرئيس السابق عبد الحليم] خدّام ورفعت الأسد [الأخ الأصغر للرئيس حافظ] حيث يُعدّ ذلك  وسيلة لإرسال مثل هذه الإشارات، مع تسريبات مناسبة للاجتماعات بعد ذلك.
يلعب هذا الأمر مرة أخرى على "جنون العظمة" لدى هذا "النظام المعزول" ويزيد من احتمال حدوث الإفراط في رد فعلٍ قد يؤدي لنتائج عكسية. وللمفارقة، فإن كلاً من رفعت الأسد وعبد الحليم خدّام كلاهما مذكور على نطاق واسع في مذكرة عام 1986، كلاعبين أساسيين في "صراعٍ على السلطة"  يحدث في المستقبل (ص 15).
دولة إسلامية في دمشق؟
رُغم أن تقرير وكالة المخابرات المركزية عام 1986 يجادل في الفقرة الختامية من أجل «قيام نظام سني يسيطر عليه رجال الأعمال المعتدلون» في سورية، يقرُّ مؤلفوه بأن انهيار دولة البعث قد يمهّد فعلاً الطريق للدخول في ما هو  أسوأ من كل النتائج الممكنة لواشنطن وللمنطقة: أن يعمد "المتعصبون الدينيون" لإقامة "جمهورية إسلامية"؛ تستحوذ هذه  الكلمات على أهمية جديدة وخاصة في الوقت الحالي، بعد صعود "داعش":
صحيحٌ أن التقاليد العلمانية في سورية تجعل من الصعب للغاية بالنسبة للمتعصبين الدينيين إقامة "جمهورية إسلامية"، لكن في حال نجحوا فإنه من المرجح أن يعمّقوا العداوات مع اسرائيل ويقدموا الدعم والملاذ للجماعات الإرهابية (ص 24).
لقد فاق ما يتكشّف الآن في سورية على نحوٍ مستمر- على ما يبدو- حتى أسوأ  سيناريوهات المخططين في السي آي أيه في الثمانينات، إذ ثبت أن القيام بعملية تغيير "النظام" على مراحل-"في سبيل إصلاحه"- ستكون أخطر السيناريوهات على الإطلاق.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]