الهدر.. علينا أن نرتعب!

الهدر.. علينا أن نرتعب!

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
22 شباط ,2017  14:24 مساء






لم يمض الكثير كي تُنسى أزمة المياه التي كانت تشكل الهاجس الأكبر، وقتها، لدى سكان دمشق، بعد أن انقضت قالت الأكثرية إنها تعلمت درساً لن تنساه حول طبيعة الهدر الذي كان يحصل في قطاع المياه، ويبقى تطبيق الكلام.
الهدر كظاهرة، كانت تستنزف من ربع إلى ما يزيد عن الثلث من الناتج المحلي، اعتيد التعاطي معها على أنها من اليوميات دون أن يتوقف أي أحد عندها، ولعل الهدر الأشهر حالياً، هو هدر الطاقة الكهربائية إذ يلاحظ الجميع بقاء الإضاءة في أعمدة إنارة الشوارع نهاراً في الكثير من المناطق، رغم "تعفف" الكهرباء عن الحضور للخدمة المنزلية، أما ما تمثله أرقام الهدر من استنزاف للناتج المحلي فهي لم تكن تشكل لدى الشارع بشقيه الرسمي والمحلي، مفترقاً ينبغي الوقوف عنده إلا إلى وقت قريب، وربما ليس لدى الكثيرين.
متى نشعر بالهدر
يجيب المهندس علي عباس الموظف في إحدى المؤسسات الخدمية في قطاع الكهرباء أن الشعور الحقيقي بالهدر كان لدى أزمة المياه التي حلت على دمشق منذ أسابيع، حينها تمنت الغالبية وهو واحد منهم، لو يعود الوقت إلى الوراء والكف عن هدر المياه كما كان رائجاً في السابق لتأمين عدة ليترات.
أما عن هدر الطاقة، فأكد عباس أنه حتى هذا الوقت لا يتم الشعور به، وكمهندس تقاني فهو يرى أن هدر الطاقة يتم بتحميل روافع الكهرباء "ما لا طاقة لها به" الأمر الذي سينعكس بشكل فني، سلباً على خدمة الطاقة في منطقة محددة، أما إجراء الإصلاحات فهو ليس إلّا حلاً مؤقتاً لا يعالج المشكلة ككل، وإلّا فإن الخدمة ستكون معطوبة طالما أنها تعاني هذا النوع من الهدر الذي لا يعترف به كثيرين، وربما تكون لديهم الأعذار في ذلك.
الأشهر على منبر الهدر
يعتبر الفاقد الكهربائي هو البند الأشهر منذ ما قبل الأزمة التي تمر بها البلاد، على منبر الهدر، حينما وصلت نسبته قبل 6 أعوام إلى 30% بعد جمع الاستجرار العادي غير المشروع والاستجرار التجاري غير المشروع الذي يشكل نصف قيمة الفاقد.
لا يمكن الوصول حالياً إلى نسبة دقيقة للفاقد الكهربائي، كما أن متطلبات الحد من هذه الظاهرة باتت بعيدة المنال بسبب ما تعانيه البلاد من حصار اقتصادي، وتضخم المخالفات بشكل ملحوظ وتعقد الشبكة، لكن تلك النسبة التي كانت قائمة أوقات الرخاء يجب الالتفات إلى أنها تمثل 4 أضعاف ما هو مسموح به عالمياً بالنسبة لشبكة الخدمة.
يؤكد خبراء في المؤسسة العامة لتوزيع الكهرباء أن لا نسبة محددة لهذا الهدر في الوقت الحالي، ويرجعونه إلى تزايد المباني والشقق السكنية والمحال التجارية في مناطق المخالفات التي بدورها، تدفع الثمن الأكثر ارتفاعاً لعطب الشبكة الكهربائية بسبب الهدر، من ضعف في التيار وتوالي الانقطاعات بشكل متقارب.
الناس "تربت" نوعاً ما
يؤكد المختار أبو عامر أنه وبحسب ملاحظاته فإن الناس تربت فيما يخص الهدر بعد أزمة المياه، هو لم يعد يرى تلك المظاهر التي كانت قائمة بكثافة حالياً، في بعض الأوقات إن لم يحسن الظن حسب تعبيره يرد ذلك إلى برودة الطقس، ولكن في أوقات أخرى يقول فيما بين نفسه إن الناس لم تعد تملك تلك القدرة على هدر المياه كما السابق بعد ما عانته إثر انقطاع المياه عن مناطق العاصمة.
ويرى أبو عامر أن الأزمات والضائقات، هكذا يسميها، هي التي تعلم كيفية الاقتصاد وترشيد الاستهلاك، وهنا فإنه يتلاقى مع من يتبنى رأياً بأن الشارع المحلي لا يمتلك ثقافة الاستهلاك كما يجب أن تكون.
ويردف المختار أن الهدر من الجانب الرسمي حينما يلتقي مع ما يقوم به الشارع المحلي فإن ذلك يشكل سيولاً من الهدر كما في مشكلتي الكهرباء والمياه، وأيضاً في جانب آخر يبدو أنه بعيد اللمس عن الشارع لكنه مؤثر بطبيعة الحال، كهدر المواد اللازمة للصناعة والتجارة وهو ما يدفعه المستهلك أولاً وأخيراً من جيبه الخاص، ولو كان لدينا والكلام للمختار منهجية إعادة التدوير والتصنيع فإن الأمور في السوق لن تكون بهذا السوء الذي هو عليه، على أسوأ الأحوال فإنها ستكون أقل بنسبة بسيطة.
ناقوس حكومي
منذ أيام، كانت هي المرة الأولى التي تتعامل عبرها الحكومة على أن الهدر، يستدعي دق الناقوس بهذا الطنين العالي، تحديداً بعد أزمة المحروقات التي استدعت إجراءات للحل كانت بدورها صعبة لكن ليس ثمة خيار آخر.
تؤكد هذه الحوادث أن الاقتصاد في الصرف وترشيد الاستهلاك هو أمر بعيد عن الثقافة العامة، بل ويفهم منه على أنه أحد أنواع الحرمان، أما بسط اليد بشكل كبير فهو الثقافة الرائجة إلى حين "العلقة" الساخنة، التي تعني الوقوع في أزمة ما.
ثمة رأي مقابل ، يفيد بأنه وحتى الآن لا تتوافر مقومات ترشيد الاستهلاك على أي صعيد، فمثلاً ترشيد استهلاك المياه لا يتم إلا بمبادرات فردية في المنزل ليضاف إلى التقنين العام، أما على صعيد الكهرباء فالمشاريع الحكومية التي كانت لدعم هذا التوجه لم تلقى الرواج المطلوب وفي كثير من المناطق لم تبصر النور أساساً، وإذا كانت المقومات غائبة فكيف يتم الترشيد في أماكن أخرى بغض النظر عن تراوح صعوبة الاقتصاد وسهولته.
علينا أن نرتعب
مهما تضاربت الآراء حول أسباب الهدر ومبرراته، فإن ناقوس الخطر هو مجرد خطوة أولى يجب أن تتبعها خطوات حكومية، تدعم الترشيد وتراقب تنفيذه، وإلّا فإن أي أزمة ستعيد نفسها في أي قطاع، وأكثر من ذلك، هو تجفاف المنابع، حينها لن ينفع الندم، ولن يكون الانتظار حلاً.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]