السوق السوداء: أنا هنا

السوق السوداء: أنا هنا

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
15 شباط ,2017  15:13 مساء






يقول أبو علي لمحرر "شبكة عاجل الإخبارية": "إنه لم يتمكن منذ صباح الجمعة، من تأمين "بيدون" بنزين واحد لسيارته التكسي ما أدى لتوقفه عن العمل"، وذلك لأن الوقوف على طابور الدور في أزمة الوقود التي ترخي بثقلها بين الحينة والأخرى يتطلب نهاراً كاملاً وقد لا يجدي نفعاً إذا ما نفذت الكمية.
أبو علي قال: "إن صفيحة البنزين (20 ليتر) الواحدة باتت تباع بـ8000 ليرة هذا إن قبل البائع أن يبيع، لأجل أنه قد يتوفر له زبون أدسم"، هذا في دمشق، وفي اللاذقية، نشر أحد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي منشوراً على "فيسبوك" يطلب فيه من أصدقائه أن يشيروا إليه إلى أي مكان يبيع فيه البنزين الحر، أي بنزين السوق السوداء أيا كان سعره لأنه بحاجة ملحة كي يجلب بضاعته من أحد الأماكن بشكل لا يستدعي التأخير.
الكلمة الأولى
إذاً السوق السوداء لا تختبئ خلف إصبعها، بل تطل برأسها دون خجل دائماً في الأزمات التي تنقطع فيها إحدى المواد الرئيسية وتفرض نفسها بسبب ما تملكه من "قدرة سحرية" في تأمين المواد المقطوعة، في الوقت الذي يجب فيه على المنافذ الرسمية سد حاجة السوق بوقت قياسي لتفتيت مثل هذا النوع من الأزمات.
مثلاً، حتى الآن وعلى خلفية أزمة انقطاع المياه، ما زالت تباع جعبة المياه التي تحوي على 6 عبوات سعة 1.5 ليتر بسعر 900 ليرة وسطياً، فيما سعرها الرسمي 650 ليرة والغرامة لمخالفة هذا السعر تصل إلى 40 ألف ليرة، هذه الغرامة التي لم تردع المخالفين حتى هذه اللحظة بالرجوع عن رفع الأسعار وجني المكاسب العليا.
أيضاً، فإن صفيحة المازوت سعرها رسمياً هو 3400 ليرة، لكن السعر "الرسمي" الذي أصبح رائجاً في السوق ودون "مفاتشة" هو 5000 ليرة في أحسن الحالات ويصل في الذورة إلى 7000 ليرة، ما يطيح بهيبة الرقابة ويجعل من السعر الرسمي قاعدة انطلاق لتحديد السعر الرائج الذي يتعامل فيه السوق، أما أسطوانة الغاز فما زالت تباع عند 3000 ليرة كحد أدنى وقد يرتفع أكثر بحسب المنطقة والحاجة.
"روّضت" المستهلك
تفنيد القدرة السحرية التي تؤمن من خلالها السوق السوداء المواد المقطوعة يحتاج غير هذا، لكن أثرها في السوق المحلية أصبح "مروضاً" للمستهلك الذي نسي السعر الرسمي، وأصبح التعامل فيه أمراً مدهشاً ومن الظواهر الغريبة أنه جرى وحصل، فيما الجهات الرقابية فعليّاً لا تتعاون مع هذا المستهلك إلا "بالتربيت" على كتفه طلباً للصبر والتأني والاقتصاد في الحصول على مثل هذه المواد، فيما علقت إحدى الناشطات المشهورات على "فيسبوك" رداً على طلب وزارة النفط من المواطن أن يكتفي بحاجته من المحروقات بتهكم متسائلة فيما إذا كانت تقوم بعمليات تنظيف المنزل اعتماداً على البنزين، وهذا نصف المنشور.
عودة إلى المستهلك، هذه الجهة المغلوبة على أمرها لم تعد تذكر أرقام السعر الرسمي لكثير من المواد، ليصبح سعر السوق السوداء ممهداً لرفع الأسعار والاعتياد عليها قبل وقوعها، حتى أن القدرة السحرية لتأمين المواد المقطوعة ليست خلال أزمة الانقطاع لافتة، فالمهم التأمين وبعدها لكل حادث حديث.
رسميات طنانة
في بداية موسم الشتاء، أثار تصريح وزير الكهرباء عن أن الطاقة الكهربائية ليست للتدفئة وإنما للإنارة فقط موجة تهكم واسعة، رغم أنه صحيح ومنطقي، لكن الواقع يقلب الموازين بما لا يدع مجالاً لاستهلاك كل شيء في محله، وهنا يظهر التنسيق الحكومي في أسوأ حالاته، وكأن المواطن يعكف عن شراء المازوت للتدفئة المتوافر بغزارة ودون منغصات، فما دفع المستهلك للاعتماد على الكهرباء هو غياب وسائل التدفئة أو تضاعف أسعارها وتحكم السوق السوداء بشكل كبير، وهنا تعود المشكلة التي يبدو أن لا حل حكومياً على المدى المنظور، يتمكن من وضع حد لها.
بعد ذلك جاء التصريح الرسمي لوزارة النفط حيث طلبت شراء المستهلكين لحاجياتهم فقط من المحروقات، لتكون ردة الفعل التهكم أيضاً، خصوصاً وأن هذا النوع من المواد لا يشترى للرفاهية أو العرض، بل للاستخدام وسعره لا يسمح بالنسبة لمتوسط الدخل، أن يشترى دون حاجة ملحة كالنقل والتدفئة.
هذه الرسميات الطنانة بمواجهة الموازين المقلوبة للاستهلاك رسخت إلى حد بعيد الاعتماد على السوق السوداء، التي أصبحت مصدراً رئيسياً للمادة الرئيسية، باعتبار أن آخر ما يريده سماعه المستهلك هو تلك الأنواع من الحلول، وكأنها تحمل في طياتها الدفع للاتجاه لتدبير الأمور اعتماداً على السوق السوداء فيما تكون السوق الرسمية تسجل حضوراً باهتاً دائماً، في الوقت الذي ينبغي أن تتدخل فيه لتأمين المواد التي لا يمكن الاستغناء عنها بهذه السهولة، أو بتلك البساطة، التي يتحدث من خلالها الرسميون.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]