نحو نظام عالمي جديد

نحو نظام عالمي جديد

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ترجمة: بشار جريكوس
القسم: مقالات مترجمة
08 شباط ,2017  15:16 مساء






نشرت صحيفة "Les Echos" الفرنسية مقالاً تحدثت فيه عن النظام العالمي الجديد، جاء فيه:
النظام العالمي التقليدي ينهار، تغييرات جيوسياسية هامّة من قَبيل انتخاب دونالد ترمب، والنفوذ الكبير لروسيا في سورية، وما يمكن تسميته بأزمة أوروبية شاملة بسبب خروج بريطانيا، وأزمة اللاجئين والأزمة الاقتصادية لبلدان الجنوب، كلّ ذلك يَشِي بوضعٍ جيوسياسي غير مسبوق.
تولّي القوميّون والمحافظون السلطة
العوامل الأخيرة التي قسّمت الاتحاد الأوروبي تشير إلى بروز "نشاز" جديد في أوروبا، حالة التعارض بين الشعب والأحزاب السياسيّة التقليدية، اليمين واليسار، والجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة الأميركية، ولّى زمانها، الانقسام اليوم بين الليبيراليين الدوليين والقوميين المحافظين الّذين يثأرون لأنفسهم في أوروبا وأميركا "طرفي الأطلنطي".
في الحقيقة، الخلاف العميق للاتحاد الأوروبي الّذي يدوّي صداه منذ عدة سنوات، وبشكل خاص منذ فشل الاستفتاء حول توسيع المعاهدة الدستوريّة في عام 2005، بلغ ذروته بخروج بريطانيا، مُعلنةً رسميّاً طلاقها من الاتحاد الأوروبي.
لقد قسم الاستفتاء بريطانية إلى قسمين تقريباً، فالمناطق الحضريّة المزدهرة في جنوب إنكلترا، بالإضافة إلى لندن، واسكتلندا التي يتمتّع ناخبوها عموماً بمستوى تعليم عالٍ، وعوائد مرتفعة صوّتوا بنسبة كبيرة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي بلغت 48%.
أمّا المدن الصغيرة والمناطق الصناعيّة المتطوّرة في شمال إنكلترا وويلز حيث يتمتّع الناخبون هناك بمستوى مهني واجتماعي مرتفع، فقد صوّتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 52%. هذا التحليل مشابه بكل تأكيد لانتخاب دونالد ترمب الّذي عرف كيف يُغري طبقة العمال، المناطق الريفية والصّناعيّة الحديثة، التي كانت تشعر بأنها تُرِكت وحيدة تلاقي مصيرها أمام عالمٍ ذي تطوّر سريع، تثأر اليوم بتصويتها لصالح زعماء أمثال دونالد ترمب وتيريزا ماي.
كما أن الحركات القوميّة والمحافظة تشعر بأنها أصبحت أكثر قوّة وحرّيّة، ففي الولايات المتحدة الأميركية، لقد حرّر عهد ترمب الخطاب الفاشي.
وفي البلدان الأوروبية الأخرى، تتعاظم قاعدة الحركات القومية والمحافظة كما في هولندا وهنغاريا والدنمارك والسويد وفرنسا كحال الجبهة الوطنية، فزعيمته ماري لوبان، الشّخصيّة السّياسية الوحيدة الدّاعمة لانتصار دونالد ترمب، دعت إلى تعزيز العلاقات مع الرئيس الروسي بوتين وتقود حملة شعبية شبيهة بنموذج ترمب.
سببان رئيسيان بإمكانهما تفسير هذا التصدع الأوروبي، ليس فقط الأزمة المالية في البلدان الجنوبية كاليونان وإسبانيا هي التي خلقت قاعدة شعبيّة مناهضة للتقشّف كـ"بودوموس" في إسبانيا و"سيريزا" في اليونان، بل أيضاً يجب على أوروبا مواجهة أكبر موجة مهاجرين تسبّبت بها الأزمة السورية، مسألة الهجرة، التي أخذت بعداً سياسيّاً كبيراً، تقضّ مضجع الأوروبيين مرّة أخرى مُحدثةً شرخاً كبيراً بين الأقوال والأفعال، ومسبّبةً خلافات عميقة بين ألمانيا ودول البلقان.
النفوذ الدبلوماسي الروسي
مقارنة مع تفاقم العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي خلال الأزمة الأوكرانية والعقوبات الأوروبية ضد شريكتها روسيا، نرى أن المجابهة الجيوسياسية التقليدية بين الغرب الشرق انقلبت 180 درجة.
في حقيقة الأمر، إن أحد أفضل الأمثلة على ذلك هي الدبلوماسية الروسية النشطة جداً في عدة ملفات دولية ساخنة.
إن الحركات القوميّة في أوروبا وأميركا لا يمكنها سوى استرضاء بوتين، بالفعل، فموسكو والغرب "الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو" لديهما وجهات نظر مختلفة يعارضها العالم وأولويات استراتيجية متباينة، فبينما يُستخدم حلف شمال الأطلسي كمنظّمة فوق السلطة الوطنية لضمان الأمن الجماعي، تتبنّى روسيا مفهومي الأمن الوطني وسيادة الدول كقاعدة أساسية في نهجها الدولي، مذكّرةً بالرسائل التي يوجهها ترمب.
كما أن روسيا هي بصدد العودة إلى الساحة الدولية والدبلوماسية على الرغم من أنها متأخرة جدّاً على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، إضافة إلى مقعدها في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض الفيتو، أصبح اسم فلاديمير بوتين يُسمع صداه في كل الملفات، في سورية، وخلال انتخاب دونالد ترمب، وعلى الأغلب في فرنسا من خلال الدّعم الواضح له من قِبل فرنسوا فيون وماري لوبان.
حقّاً، إن تحالف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس بشار الأسد أتاح لهما رسم انتصار وشيك على المسلّحين وتنظيم "داعش" الإرهابي.
رئيس الوزراء السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017، يدعم رسمياً الحلف الروسي السوري وسياسة بوتين، انتخابه في فرنسا قد يخلق نفوذاً روسيّاً جديداً في أوروبا، كما أن الرئيس ترمب يدعم التحالف بين بوتين والرئيس الأسد ويؤيّد بحكم أمر الواقع انتصاره وشرعيّته.
أمّا فيما يخص التقارب بين بوتين وترمب، وفي وقتٍ انسحبت فيه الولايات المتحدة الأميركية، بقرار من دونالد ترمب، من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، فإن اتفاق اقتصادي محتمل مع موسكو قد يخلق مسائل استراتيجية جديدة، لا سيما التساؤل حول وضع حلف الناتو.
بالإضافة لذلك، سيكون عام ٢٠١٧ عاماً مفصليّاً، سياسة ترمب وبوتين، والانتخابات في أوروبا وتطور الأزمة السورية ستكون مؤشرات مُنتظرة بفارغ الصبر وسوف تعزّز وتؤكّد النزعات القوميّة وترسم معالم النظام العالمي الجديد المقلق.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]