الطبقة المتوسطة.. "قبل - بعد"

الطبقة المتوسطة.. "قبل - بعد"

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
22 كانون الثاني ,2017  15:11 مساء






قبل، كانت الطبقة المتوسطة رافعة الاقتصاد لناحيتي الإنتاج وحركة السوق، إذ أنها عدا عن توفيرها ماكينة الإنتاج البشرية كانت تمثل الطلب الواسع على الشراء الذي يعيد تحفيز الإنتاج، أما بعد، فهي وطبعاً لم تبقَ على حالها بل أصبحت عالقة بين المطرقة والسندان بعد متسلسلات الغلاء المنهك، وانحسار موجات الإنتاج.
أن تستذكر الطبقة المتوسطة على نطاق الاهتمام التجاري مؤخراً، فهذا يعني أنه ثمة من بدء يفكر، لا بل أكثر من ذلك، إن السوق ليست على ما يرام بسبب انحسار قدرات زبائنها، صحيح أنها –أي السوق- حققت أرباحاً مضاعفة بالرغم من النفي المتكرر لهذا الأمر، إلا أن مواسم الكساد تمثل هاجساً ينكد "عيشة" السوق المحلية لاسيما على الكثير من المنتجات التي باتت عرفاً من ضمن الثانويات، بعد استغناء المستهلك عنها ورميها بعيداً عن سلته التي تزداد ضيقاً كي تتسع لجميع مواد الشراء.
إنعاش "المتوسطة" متأخراً
ليس من باب التشاؤم القول إن نية إنعاش الطبقة المتوسطة كما بدأ الحديث يسري، جاء متأخراً للغاية، ومن المرجح أن اللحاق بهذه الطبقة التي تآكلت بشكل كبير وهبطت إلى الطبقة الأدنى، لا يمكن تحقيقه بسهولة إطلاق الكلمات.
وبحسب مصادر نقابية فإن الكلام عن الطبقة المتوسطة في الوقت الحالي يشبه إلى حد بعيد الكلام عن آثار أو أوابد تكاد تندثر، أما نيات إنعاش هذه الطبقة فقد كانت ضرورة للسوق لو أتت قبل هذا الوقت لما فاقمت المشكلات التي ينبغي حلها كالمديونية وتهتك القدر الشرائية وغيرها، قبل الانطلاق في عملية الإنعاش التي خنقت هذه الطبقة.
والمشكلة الآن بحسب المصادر هي أن هذه الطبقة التي وصلت إلى ما يقارب الـ80% من الفئات الاستهلاكية قبل الأزمة، لم تعد موجودة أو أنها مبعثرة في الطبقات الأفقر أو ذات مستويات الدخل الضعيفة، ولذلك -والكلام للمصادر- فإن المطلوب حالياً هو التنقيب عنها واستخراجها تمهيداً لإنعاشها وهذا كمشروع، ليس سهلاً بمقارنة مستويات الأسعار ومناسيب الدخل الرائجة.
عكس ذلك
لا يعجب الرأي السابق مراقبين اقتصاديين عبروا عن قناعاتهم بأن انحسار مستويات الاستهلاك، بناء على ارتفاع الأسعار جاء بمثابة مصائب قوم عند قوم فوائد، والقوم الذي استفاد هو بالضبط ماكينة الإنتاج التي لم يعد بمقدورها تلبية العرض في السوق المحلية بسبب توقف الكثير من المعامل والخروج عن الخدمة اضطرارياً أو لأسباب أخرى.
ويرى أصحاب هذا الرأي أنه لو كانت قدرة الطبقة المتوسطة على حالها لأفرغت السوق المحلية من المنتجات، وبالتالي اضطرتها للتعاطي مع الاستيراد بطرائق قد تفضي إلى خسائر على مستويات الاقتصاد شتى، لأن الطبقة المتوسطة هي من الطبقات الاقتصادية التي اشتهرت باستهلاكها الغني قبل الأزمة.
إذاً هو نوع من التقشف، هذا يدل إلى ذلك، لكن فوائده جاءت على حساب أمور أخرى كالمدخرات التي عينت لترقيع فجوات الدخل التي ازدادت اتساعاً بشكل تراتبي، وبرأي المراقبين فإن التجهيز لمصادر دخل بديلة كان الرقعة الأولى التي "خاطتها" الطبقة المتوسطة لتحقيق نوع من التوازن وعدم السقوط نهائياً في الهاوية.
حذار الانهيار
يعترف الاقتصاديون في غرف التجارة، وجمعية العلوم الاقتصادية بأن "الانهيار" الذي يمكن أن يصيب الطبقة المتوسطة أصبح يصيبهم بالقلق، هذه الاستفاقة المتأخرة جداً إن كان لها على أرض الواقع شيء من التنفيذ لإسعاف هذه الطبقة، ما زالت تغفل أيضاً أن الطبقة المتوسطة إن وجدت على مساحات غير ضيقة فإنها تحمل أعباء تلوح بضرورة أن لا يبقى كلامهم في إطار حلم، بل مشروع متكامل من ناحية الدراسات والتنفيذ السريع للحاق بما يمكن اللحاق به.
فالصورة "قبل" للطبقة المتوسطة مغايرة تماماً للصورة الحالية لنفس هذه الطبقة، في هذا الوقت هي طبقة متقشفة ومستثنية للكثير من الاحتياجات الأساسية على أنها كماليات، أي أن عادات الاستهلاك تغيرت وجنحت نحو القلة إلى أبعد الحدود وهذا يعني أنها بحاجة لإعادة التأقلم مع العرض في السوق خصوصاً وأن "وسواس" الغلاء القهري أو "رابوص" الافتقار ما زال يتحكم بهذه الطبقة نفسياً وعلى نطاق كبير ويمنعها من التعاطي بأريحية مع الإنتاج المزمع والمنتظر، ما يرجح احتماليات الكساد، ولعل هذا الأمر هو ما دفع بعض الاقتصاديين إلى تذكر الطبقة المتوسطة وليس بناء على سواد عيون هذه الطبقة.
ذابت!
هذا التعبير مستعار من رئيس غرفة تجارة دمشق غسان القلاع الذي أكد سابقاً أن الطبقة المتوسطة ذابت مثل الشمعة، ما يؤكد من جميع الجهات أن هذه الطبقة لا يمكن التعويل عليها في تحقيق المعادلات الاقتصادية لتمرير البضائع في السوق، إلا تلك التي تمثل الضرورات اليومية الشديدة الإلحاح، إذاً فهناك معضلة معقدة، سيؤدي ذوبان الطبقة المتوسطة إلى اضمحلال الإنتاج.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]