سورية.. انقراض العرب

سورية.. انقراض العرب

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ترجمة: بشار جريكوس
القسم: مقالات مترجمة
04 كانون الثاني ,2017  19:42 مساء






عرف العالم العربي سابقاً مختلف درجات الرّكود والنّكبات، وقد دخل مؤخّراً في طورٍ جديد: العدم المحض والبسيط.
عُقِد اجتماعٌ الأسبوع الماضي في موسكو خُصّص للبتِّ في مستقبل سورية، بعد نجاح الجيش العربي السّوري وحليفيه الرّوسي والإيراني بتحرير حلب.
الكرملين، الّذي أدرك جيّداً أهمّية هذا الانتصار العسكري في تحقيق تحوّل كبير إقليميّاً ودوليّاً، يريد أيضاً طرق الحديد طالما أنه حامي، مستفيداً من صدمة واضطراب الغرب الفاقد لزعيم وقيادة حقيقيين.
رحيل أوباما مسألة أسابيع، وفرنسوا هولاند مسألة أشهر، وتيريزا ماي مكبّلة بقيد الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكزت) المعقّد، وأنجيلا ميركل دخلت في حملة انتخابيّة طويلة وصعبة دون شك: لقد فشل الغرب، والكرملن سيّد اللعبة.

النظام البوتيني الجديد
بماذا يُشبّه إذاً النّظام البوتيني الجديد في الشرق الأوسط، حيث النزاع السّوري بات يعادل الحرب العالميّة الاولى، أي ميدان واسع من المعارك سيُرسم عند نهايتها الخريطة الإقليمية وعلاقات القوّة لسنين في المستقبل؟ قال سيرجي لافروف في ختام مؤتمر ثلاثي يوم ٢٠ كانون الأول في موسكو جمع وزراء خارجيّة ودفاع روسيا وإيران وتركيّا: "الصّيغة الأكثر فعاليّة هي التي بين أيديكم". رابحان وخاسر يسعى للحفاظ على ماء وجهه، لكن بالتّأكيد لا وجود لأي تمثيل عربي.
التقسيم الجديد للعالم العربي يشبه تقسيم سايكس - بيكو معكوس، يأخذ شكل انتقام لروسيا من التقسيم الحالي للعالم العربي الّذي خططت له فرنسا وبريطانيا في عام ١٩١٦، وانسحبت منه روسيا بعد الثورة البلشفيّة. الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، مسلمون لكن ليسوا عرب، الشريك الأساسي والإجباري في سورية، هي الأخرى قوّة كبيرة صاعدة.
إن طهران بعثت بقوّات بريّة كانت ضروريّة جدّاً لمساندة الجيش العربي السوري في تحرير حلب من المسلّحين: مزيج من فرق الاقتحام لفيلق القدس، اليد الحديدية للعمليات الخارجيّة للحرس الثّوري الإيراني، قوّات النّخبة من النظام، وكتائب شيعية قدمت من العراق وأفغانستان، لا بل حتى من باكستان، جُنِّدوا، إلى حد ما بالقوّة، في إيران التي لجؤوا إليها بأعداد كبيرة. ناهيك عن حزب الله اللبناني حيث تُشكّل كتائبه اليوم الجيش الأكثر خبرة في العالم العربي. ومن بين هذا الخليط المُكرّس لخدمة المسألة الإيرانية، وحده حزب الله اللبناني قوّة عربيّة.

رفض تام لدعوة السعودية إلى طاولة المفاوضات
بالنسبة لطهران، كما هو الحال مع حزب الله اللبناني، يُحرّم دعوة السّعوديّة إلى طاولة المفاوضات في وقت تشهد العلاقات بينهما توتّر شديد منذ إعدام رجل الدّين الشّيعي السّعودي نمر النمر منذ عام تقريباً. يتّهم الزعماء الإيرانيون المملكة العربية السعودية بأنها وراء سنوات العزلة الدّوليّة الاقتصادية التي عاشتها إيران نتيجة العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها، ويشيرون إلى أن العقوبات جاءت نتيجة ممارسة ضغوط من اللوبيّيّن الصّهيوني والسّعودي على حلفائهم الغربيّين.
روسيا بدورها كانت تريد الإبقاء على حوار مفتوح مع السّعودية، وهذا مردّه إلى تأثيرها على سوق البترول، واحتراس روسيا من نفوذها على الشّبكات الوهّابيّة في القوقاز.
مشكلة إيران هي عدم امتلاكها لأي مساند في العالم العربي غير أبناء الطائفة الشّيعيّة. ثار (السّنة) ضد المصير المحفوظ لحلب، حتى حماس الفلسطينية أدارت ظهرها لإيران منذ بداية الحرب في سورية. فلاديمير بوتين فهم جيداً ذلك واختار في شهر حزيران مدّ يد المصالحة إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان المنعزل والضعيف الّذي يواجه جملة من النّزاعات بدءاً من الخلافات مع الولايات المتحدة الأميركية في ظل رئاسة أوباما ومع الاتحاد الأوروبي، مروراً بسيادة القانون في بلده وانتهاءً بدعم الغرب للمقاتلين السّوريين الأكراد (قوات سورية الديمقراطية)، المرتبط بحزب العمال الكردستاني، الّذي يخوض كفاح مسلح ضد أنقرة منذ عام ١٩٤٨.

اتفاق روسي تركي، في غياب إيران
بوتين، الذي يحتاج ضامن (سنّي)، قدّم لرجب أردوغان ما كان يطالب به الأخير الغرب وحلف شمال الأطلسي الّذي تشكل تركيّا فيع عضواً أساسيّاً (يحتل الجيش التركي المرتبة الثانية عدديّاً بعد الولايات المتحدة الأميركية): منطقة آمنة يستقر فيها اللاجؤون السّوريون البالغ عددهم أكثر من ٢،٥ مليون في تركيا. هذه المنطقة الآمنة تُتيح لأنقرة أيضاً تبديد آمال الأكراد بإقامة منطقة مستقلة تمتد من مناطق سورية حتى الطرف الآخر من الحدود التركية.
بالمقابل ساهم أردوغان سرّاً بسقوط حلب عبر وقفه مدّ المسلّحين بالأسلحة وسحب جزء كبير من المسلّحين نحو المنطقة الآمنة وأخيراً بالتفاوض مع موسكو حول إجلاء آخر دفعة من المسلّحين. هذا الاتفاق التركي الرّوسي، الّذي تم التفاوض عليه بغياب إيران، لم يعجب طهران بتاتاً حيث شُلّ عمل رجالها على الأرض لفترة طويلة خلال المرحلة النهائية من الإجلاء.
لإرضاء الرّأي الإسلامي المناصر للمسلّحين في سورية وبنفس الوقت البقاء شريك وفيّ لروسيا، يضطرّ أردوغان دائماً إلى القيام بأفعال متناقضة، تارةً بإدانة الشرطي الّذي اغتال السفير الروسي في أنقرة، وتارةً أخرى باستقباله، باسم ضحايا حلب، الطفلة بانا، التي غرّدت تحت قصف القنابل في حلب، لكن تركيا ومع أنها ضامن (السّنّة) لروسيا في الشرق الأوسط، إلّا أنها ليست عربيّة مُطلقاً..
يُضاف إلى ذلك المبادرة الحسنة التي قام بها فلاديمير بوتين تجاه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما حاول إرجاء التصويت على قرار مجلس الامن ضد المستوطنات في ٢٣ كانون الأول، اكتملت الصورة. لقد غُيّبَ العرب.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]