ألمانيا.. دقة قديمة

ألمانيا.. دقة قديمة

رابط مختصر


المصدر: إيفين دوبا
القسم: مقالات
04 كانون الثاني ,2017  17:10 مساء






سياسياً في الشرق الأوسط، تخلفت ألمانيا عن الواقع والمستقبل معاً لغاية في نفس الحزب الحاكم الذي يواجه استحقاقين شرسين، البقاء في السلطة وبذل ما يلزم لتحقيق هذا الهدف، والإرث الأوروبي الثقيل والمتخم بتهديدات الانقسام على مستوى الاتحاد والانسحاب المتوقع لدول أساسية ضمن هذا التشكيل الذي لم يعمّر كما كان يراد له.
ألمانيا كدولة عضو ضمن الاتحاد الأوروبي هي أكبر المناوئين لدخول تركيا إلى هذا الاتحاد، وأبرز المتضرعين كي لا تحذو فرنسا حذو بريطانيا فتلحقها دول أخرى، تجعل من الاتحاد ضئيلاً على زاوية الوزن الدولي خصوصاً، وأن كتابة ملامح الفترة المقبلة في أكثر الأقاليم أهمية دولياً لا يتم على أي من طاولات برلين.
صحيح أن ألمانيا تعاظمت مؤخراً إلى درجة الزعامة الأوروبية وإن لم يكن بشكل مطلق، إلًا أنها استفادت في هذا الأمر من الورطات السياسية التي دخلت في متاهاتها كلَّاً من لندن وباريس، كما أنها لعبت على حبل الاقتصاد والمال، هذا الحبل الموتور الذي يخشى من انقطاعه إذا ما بقي ممدوداً بشدة فيما تتنازع الدول الكبرى موضوع السندات المالية التي تؤرق واشنطن أولاً.
لم تكن برلين أقل تشدداً فيما يخص الملفات الأكثر حساسية، السوري والعراقي على وجه الخصوص، لكنها من حين إلى آخر تظهر إلى العلن لتقول كلمة تحاول من خلالها ابتزاز المجريات وتأجيجها من جديد رغم أن المفاتيح وخيوط اللعبة بعيدة عن أصابعها المنشغلة بمحاولات إعادة ترتيب البيت الأوروبي مع دخول العام الجديد وارتفاع احتمالات تحول ذلك البيت إلى كونه منزلاً مهجوراً، إلى جانب ما سيتركه من أثر، دخول الإدارة الأميركية الجديدة إلى البيت الأبيض التي تلاقي امتعاضاً شديداً في ألمانيا، بل وتخوف من المجهول الذي من الممكن أن يحجمها على مستوى الهيمنة الاقتصادية في العالم.
إذاً، ثمة رزمة جداول للأزمات التي يمكن أن تواجهها ألمانيا على المدى المنظور، وهي حتى هذا الوقت يجري إعرابها على أنها مبني للمجهول، لا يبدو أن برلين تعرف تماماً ما الذي ينتظرها، فيما الحزب الحاكم داخلياً لا يريد خسارة آخر معاقله في السلطة بشكلٍ متتالٍ؛ لأن اللافت هو عدم التوازن فيما يخص السياسة الخارجية التي تحاول فيها برلين لملمة ما تناثر أوروبياً على أرض الصراع وإعادة تدويره وإلا فلن يكون المصير سوى التقوقع السياسي على الداخل، حيث أن كل ذلك جرى بموازاة ضعف التشابكات السياسية مع دول القرار.
حتى الآن لا أحد تشبك معه برلين، لتمهيد طريق سياسي منطقي، لذلك عادت ألمانيا إلى زمن مضى وانقضى واستعارت منه خطاب المتشددين الذي أثبت فشله بالتقادم ويجري تناوله على أنه لعنة، هو عناد سياسي وخروج عن الواقع، ربما هو من باب لفت الانتباه من جانب يعاني الغيرة أو أي مشكلة أخرى، على أنها الدولة الوحيدة التي بقيت وتريد الحفاظ على ما تبقى من الاتحاد الأوروبي، كمنطقة إقليمية تستطيع ألمانيا أن تكون فيها على رأس الهرم، وهذا ليس مصدراً للثقة، لذلك كان الهروب إلى الأمام باتجاه الشرق الأوسط لكن بتصريحات "دقة قديمة" ملَّ مبتكروها أنفسهم من ترديدها.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]