خسائر الحرب.. الذي كان وما جرى

خسائر الحرب.. الذي كان وما جرى

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
17 كانون الأول ,2016  18:04 مساء






على المدى المنظور قصير الأمد، فإن لا تغيراً على صعيد التوقعات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالنسبة للبحث في الاقتصاد الإقليمي وظلاله المحلية كل على حدة، ولأجل السخونة التي تعتري المنطقة فإن تشاؤماً واسعاً يحكم النظرة إليها على الصعيد الاقتصادي، وبحذر.
وفي سورية، فإن كل شيء تغير بدلالة معرفة الجميع، فالبلاد التي كانت على شفا نهضة منافسة على المستوى الإقليمي قبل أن يضربها الإرهاب في أصقاعها، أصبحت كلمة "لو" وإن لم تكن ذات نفع بإعادة زمن الأحلام، فإنها تقارن ما بين بين للوصول إلى نتيجة مقاربة لخسائر الحرب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لدى أغلب -إن لم يكن أجمع- من تلظى بنار الحرب على سورية، ترى كيف كانت ستكون البلاد لولا الهجمة الإرهابية الشرسة منذ تصاعدها عام 2011.


نقطة ارتكاز
السؤال السابق يطرح نفسه بإلحاح أكبر لدى الاقتصاديين، خصوصاً على أعتاب 2017 الذي يفتح أبوابه أمام اقتصاد، مهدد ليس محلياً بل على المستوى الإقليمي والعالمي بسبب انخفاض أسعار النفط، وضعف انتعاش الاقتصاد العالمي، وتجمد معدل النمو بالمنطقة.
بالرغم من كل ما تتركه الحرب على سورية من آثار، فإنها لا تزال نقطة ارتكاز اقتصادياً بالنسبة للمنطقة، لأنه حتى الآن فإن مسألة أسعار النفط لا زالت معقدة ومتشعبة أكثر، بينما تزداد المخاوف لدى الاقتصادات الخليجية بشكل متزايد، وهنا يتضاعف السؤال مرة أخرى لناحية حجم الخط الذي يكتب به، ترى ماذا كان لو لم يجرِ ما جرى؟!.


القمح لو انقلب ذهباً
بحسب إحصائيات منظمة الزراعة والأغذية العالمية (فاو) فإن سورية احتلت المرتبة 31 على المستوى العالمي بإنتاج القمح بمعدل إنتاجي وصل إلى 3.9 مليون طن متري عام 2011، وعلى المستوى الإقليمي فإن سورية احتلت المرتبة الرابعة والثالثة عربياً.
أما جدولة الإنتاج التي صدرت حينذاك فأشارت إلى أن، الإنتاجية المحلية كانت مقاربة على نحو لصيق للمعدلات الإنتاجية لعدد مهم من الدول المنتجة لمحاصيل القمح لا سيما على المستوى الإقليمي، أي أن المنافسة كانت ستصل إلى متناول اليد.
وبحسب (فاو) أيضاً، فإن القطاع الزراعي المحلي الذي خسر نحو 40% بسبب الحرب، فإن معدل الإنتاج السنوي كان مرجحاً للهبوط إلى 1.9 مليون طن سنوياً، وبلغة الأرقام فإن محصول القمح كان معانداً جداً للظروف القاهرة التي ألمت بالبلاد ولم يتلاشَ، ما يسجل نقطة قوة كون القمح أحد المحاصيل الاستراتيجية التي تعرضت "لأكسدة" الحصار الاقتصادي وما نجم من آثار الحرب ولم يتوقف، إلى جانب أن هذا المحصول يرتكز جغرافياً بالنسبة لبعض بقاع الإنتاج في مساحات سيطرة الميليشيات المتطرفة شرق وشمال شرق البلاد.


شرق أوسطياً.. سورية الوحيدة
قبل الأحداث، كانت سورية البلد الوحيد في الشرق الأوسط ذات الاكتفاء الذاتي، أكثر من ذلك، لقد تحولت البلاد إلى مصدر إقليمي فيما كانت المحاصيل الزراعية الأساسية لا سيما القمح والشعير طرفي "سنارة" الصيد الاقتصادي الثمين، الذي كان مطمحاً آنذاك.
وإذا كان البعض يصنف سورية على أنها الأولى في المنطقة والعالم العربي على صعيد الأمن الغذائي الذاتي، إلّا أنها وبحسب أرفع مراكز الأبحاث العالمية ذات الأبعاد المستقبلية، كانت الوحيدة في هذا المضمار.
أما حالياً فحتى التصنيف الرسمي الحكومي يقول عكس ذلك، فالبلاد الآن ضمن خانة تصنيف مستوى الدخل المتدني والعجز الغذائي، لتعتبر هذه النتيجة منطقية نظراً إلى حجم الضربات الإرهابية على البنى التحتية الصناعية والزراعية والمالية ككل، إضافة إلى الحصار الاقتصادي وضيق منافذ العبور ذهاباً وإياباً.


عملاق صناعي
لم تقتصر النهضة الاقتصادية السورية قبل الحرب، على القطاع الزراعي الأوفر مشاركة على صعيد الاقتصاد المحلي، الصناعة كانت تنهض كعملاق وبشكل متواتر بأسهم تصاعدية تمكن في تلك الأوقات من غزو جميع الأسواق المجاورة، والأسواق الإقليمية، وحتى الأسواق الدولية على صعد شتى، رغم أن التصنيف للصناعة المحلية على أنها متوسطة.
الأولى عربياً؟، على الأرجح وبلا منازع كانت لتكون، ومنافس إقليمي من العيار الثقيل خصوصاً بعد إنجاز أكبر ثلاثة مدن صناعية على مستوى الشرق الأوسط، جعلت من البلاد قبلة استثمارية بانتظار التشريعات، ما زالت تلك الأيام مطبوعة في الذاكرة إذ أن كل شيء كان على حافة الجهوزية التامة، لأن التوسع الأفقي على صعيد المدن الصناعية أنجز في فترات قياسية، بموازاة التوسع العامودي الذي كان مرشحاً للارتفاع بالتقادم وصولاً إلى العام 2017، حيث الإعلان عن قطب صناعي شرق أوسطي.
أثرت هجرة رؤوس الأموال واليد العاملة بشكل كبير في هذا القطاع، وأثرت بحضور لافت في الأماكن التي استقرت فيها كمصر ولبنان والإمارات المتحدة، ولولا ما جرى، كان القطاع مرشحاً لأن يمثل ثقلاً اقتصادياً عالي الشأن دولياً باعتبار أن الناتج المحلي، قبل الأحداث، حقق 64 مليار دولار بالنسبة لاقتصاد ضمن الاقتصادات النامية.


تنامي مستوى الدخل
عرفياً لا أكاديمياً، تحسب درجات تنامي متوسط مستوى الدخل إلى 700 دولار بحساب نسب الزيادات التي كانت متبعة كسياسة، في الحقيقة ما زال هذا الرقم يمثل درجة رفيعة من الدخل على سلم الأسعار الرائجة مالياً فيما لو تحقق.
اللافت أن النمو ذلك الذي كان الدخل المحلي يحققه، يسير بلا مديونية وهو إنجاز متفرد على مستوى إقليمي ودولي، أي أن الاقتصاد كان متحرراً من القيود ويستطيع جذب الاستثمارات، والتوسع.
حتى مستوى الدخل في تلك الأوقات كان كافياً محلياً مع انتعاشة كبيرة في سوق العمل، الذي استقطب الأعمال المصرفية بشكل غير مسبوق ما أثر على النهضة العمرانية، وكذلك الصناعية، والسياحية التي حققت طفرة لأول مرة حينما بدأت خطوط السياحة تنطلق على مقياس "من سورية" بالتوازي مع مقياس "إلى سورية" كدليل على نمو معيشي.
حتى سلة أسعار المستهلك كانت مشبعة، على غير ما هو قائم حالياً، وانعكست إيجاباً على سوق العمل التي اكتظت آنذاك بالاستثمارات من كل جانب، هذا الأمر الذي لا نراه حالياً.


2017
القول، أنه لولا الحرب على سورية، لكان دخول العام 2017 نقلة نوعية تجذب الانتباه، كان ذلك قبل أن يكبح الإرهاب وتمويله الحلم الاقتصادي، الذي تحول إلى واقع مر بخسائر العجز الغذائي وصناعة مستهدفة، ومستوى دخل عاجز بقدرة شرائية منهكة أثرت على سوق العمل الذي تحول بدوره إلى سوق محدودة غير السابق، واقع يكرس التوقف عنده، خصوصاً وأن، أنظار أبحاث إعادة الإعمار ما زالت مسلطة على هذا المكان من العالم، حيث الأرض لا تزال تكتنز الخصوبة الاقتصادية.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]