أولاد العرباية

أولاد العرباية

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
12 تشرين الثاني ,2016  16:04 مساء






لا يبدو كثيراً، أنّ حجم الاكتراث بظاهرة "النزوح" بعيداً عن إتمام الدراسة، على المستوى المطلوب، فأصبح عبارة "تارك المدرسة" اعتيادية على قافية "رايح دبر شغل".
تمتلئ ورشات العمل بشبان دون الثامنة عشر، هنا عند هذا السن لا مانع قانونياً من أن يكون المراهق في سوق العمل منذ ست سنوات، لكن في الوقت الحالي توسعت فترة السنوات الست، لتشمل من هو أصغر من هذا العمر ليدخل ميدان العمل.
أيتام وآخرون
تُقدّم شريحة الأيتام، التي غص بها المجتمع المحلي النسبة الأكبر من "شغيلة" الورشات والأعمال البسيطة أو تلك، التي تُقيّم على أنها سيئة الوضع، وبسبب الإرهاب وجدت طائفة من اليافعين نفسها أمام ضغوطات الحياة مبكراً، يحاول سعيد الذي لا يبلغ 11 عاماً أن يتحايل على الدنيا بسيكارة، علناً، ودون خجل فهو الآن مسؤول عن نفسه ويستطيع أن يفعل ما يشاء، وطالما أنه يعمل فعليه أن يتصرف كمن يتقدمه سناً، أي أنه يشتري من "اليومية" دخانه و"سندويش" الفلافل ويمضي جلّ يومه في الشارع قبل أن يعود إلى بيت جدته التي ورثت سعيد عن أبيه وأمه اللّذين هما في عداد المفقودين بعد أن احتلت ميليشيات المعارضة المسلحة مناطقاً في ريف دمشق، بيت سحم، وخرج هو بلا والدين. والدة أبيه التي استأجرت غرفة في دف الشوك.
لماذا لم تكمل الدراسة؟، لا يكترث سعيد بالسؤال ولا بالإجابة فهو يبحث عن أي زبون "للعرباية" التي يجرها وتجرّ عليه غالباً وبالاً ومشاكل بسبب التسعيرة، وهذا الطفل غالبا ما "يتمركز" عند الجمعيات الخيرية المنتشرة في المناطق الشعبية لنقل المخصصات والهبات مقابل 200 ليرة، التسعيرة التي يطلبها ولا يأخذ سوى نصفها لأنّ الزبون يجدها عالية جداً مقارنةً بمسافة النقل التي لا تتعدى الحارات.
المشهد من بعيد
يغوص سعيد بحياة قاسية، حينما يوضع عليه الضوء فهناك في إحدى حارات دف الشوك طفل يتشابك بالأيدي مع آخر ويتقاذفان الشتائم، يأتي أحد المارة لفك "العلقة" التي يعاند الطرفين لإتمامها، ومن ثَمَّ يجرّ "عربايته" وهو يتوعّد ويتلقى الوعيد، "يدفشها" بغضب ويجلس على أحد "صبات الباطون" التي يصنعها سكان الطوابق الأرضية للجلوس عليها في بعض الأوقات لا سيما صيفاً وعند انقطاع الكهرباء لتمضية الوقت ويُخرج من "عبّه" علبة الدخان ويبدأ التدخين.
لماذا كنتما تتقاتلان؟، يبدو هذا السؤال أهون وأسهل على سعيد، وعلى ما يبدو فإنّ المشكلة هي المنافسة في "العمل" يدخّن سيكارته التي لم يعد وجودها بين أصابع يديه محرجاً، ويسرد أمنيته، أن يجد عملاً منتظماً في سوق الحريقة أو الحميدية، هناك "الشغل ماشي" أكثر وكل يوم ولا يتوقف عند توزيع المساعدات للأسر المنكوبة، هذه الأمنية فقط، هي طموح سعيد الآن.
أمّا التسرب الدراسي الذي ينغمس فيه فيجيب عنه بسؤال: "المدرسة رح تصرف عليي؟ ما بكفي ستي ما معا"، تبدو على سعيد ملامح خشونة الحياة، "خرمشات" على الوجه ربّما هي بفعل العراك الذي يقع فيه غالباً في الحارة التي هي سوق العمل، وألبسة بالية بالكاد يمكن تسميتها بالملابس، وتكتنف عيناه شراسة لا تليق بعمره، هو الآن في مهب رياح الحياة.
كلام كثير
الحديث عن ظاهرة بحجم هذه المأساة كثير، يُقال أنّ التنسيق قائم لحل مشكلات من هذا النوع تتهدد الجيل المقبل، لكن على أرض الواقع فإنّ سعيد وربما الكثيرون ممن أوضاعهم على شاكلته، نفوا أنهم تعرضوا لمن يبحث في مشكلتهم، جهة رسمية أو مؤسسة خيرية أو أي شيء آخر، لكن مع ذلك فهو لا يعي أنه في دائرة نسيان سحيقة، ربما هو نأي المكان الذي هو فيه عن بقاع الضوء التي تُسلّط على مشكلات الحياة، ربما.
هذا الطفل يشبه إلى حد بعيد آخرين من المراهقين الذين أجرت شبكة عاجل الإخبارية مادة تحقيق عنهم قبل أشهر، لم يسمعوا قط بمن يمكن أن يسعى لحل مشاكلهم، لا وزارة شؤون اجتماعية ولا منظمات أممية، هم فقط منصاعون للأمر الواقع وشدة بأس الدنيا عليهم علمتهم أنّ المرارة هي كل طعم يمكن أن يتذوقوه، وعليهم القبول وحسب.
لكن مشكلة سعيد والآخرين هنا أنهم خارج سوق العمل، حيلتهم فقط هي "عرباية" حديدية يجرونها على مدى النهار قبل أن ينصرفوا إلى "بيوتهم"، أو كما تُسمّى "بيوت"، وقبل أن يصلوا إليها يبذلون جهوداً لدى ورشات الصيانة للحاجيات الثقيلة كي ينقلوا تلك الحاجيات، لأنّ العمل ليس ميسراً في جميع الأوقات.
وللمرح وقت
يقول سعيد إنه يلعب في بعض الأحيان إذا ما صادف "شلة" تلعب الكرة في أحد الأزقة، لفترة قصيرة جداً لا تتعدى الثواني قبل أن يُطرد من صفوف اللاعبين؛ لأنه غريب، أو بلا صاحب.
أو لأنّ لا أحد يعرفه هنا أو هناك، فيدعوه للعبة أو تسلية، سوى "العرباية" التي يجرّها بيدين جافتين مائلتين للسواد دائماً، وجسد هزيل، حتى من هم في سنه لن يتركوه ليلعب، ولا الزمان تركه ليدرس أو يعيش كطفل، أمّا تلك الأزقة التي حفظها "بصماً" بدلاً عن الدروس فهي كل ما لديه.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]