من أين يأتي أؤلئك «الأثرياء»..؟

من أين يأتي أؤلئك «الأثرياء»..؟

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
15 تشرين الأول ,2016  16:42 مساء






على الأقل فإن أسواق العاصمة دمشق، تبدو مكتظة يوميا بـ"حشود" الزبائن، الذين هم في جزء معتبر منهم من "المياومين" في تلك المناطق التجارية على محال الأطعمة الغذائية على الأغلب، والتي باتت بضاعتها ضد الكساد بالمطلق.
يحيّر هذا المشهد الكثير من متداولي الشأن المعيشي والاقتصادي في البلاد، إلى جانب أؤلئك الذين "يدردشون" حول نفس الموضوع الذي لا يخلو منه منزل ولا تخلو منه جلسة، وهو كيفية تأمين المعاش والضائقة المادية التي يمر بها ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، والسؤال الملح هنا هو أنه إذا كانت الغالبية تشكو "القلة" فمن أين تأتي هذه الحشود من الزبائن في جميع الأسواق، في الحقيقة، من أين يأتي أؤلئك الأغنياء؟.

عقدة مستعصية
في الحقيقة، لا يمكن الخوض في تفسير هذا المشهد الممتلئ حتى التخمة بالزبائن في أسواق العاصمة، بالرغم من الضائقة الاقتصادية و"محنة" الدخل، والارتفاع المتواتر للأسعار الذي يبدو أنه مسلسل بلا نهاية.
كما أنه، لا يمكن الوصول إلى إجابة دقيقة حول الموضوع دون دراسة تستند إلى إحصائيات وافية تسبر زبائن الأسواق وتعرف في الحقيقة من هم، لكن السوق المحلية أثبتت على مدار ست سنوات من الأزمة وما رافقها من حصار اقتصادي على البلاد أدى إلى ما أدى إليه من الأزمة الاقتصادية، أنها سوق مكتفية وتستطيع تأمين عرضها بالشكل المطلوب، وبنفس الوقت تستطيع استدراج الزبون وكسبه في أدق الأوقات صعوبة.
يجتمع هذا التناقض حينما يؤخذ بعين الاعتبار، أن السوق المحلية القادرة على استدراج الزبون إلى مربع الشراء، هي نفسها التي يسخط عليها الزبون نفسه على مختلف مستوياته بسبب الأسعار المتوالية الارتفاع، ويظهر ذلك في الأسواق المحلية لاسيما الشعبية في العاصمة، حيث أن زمن هجر الزبون للسوق قد ولى.
ويعلق هنا ابراهيم مسلم أحد تجار سوق الحريقة بأن الملموس بشكل أكيد لدى الزبائن في الوقت الحالي، هو أنهم تجاوزوا فترة الخوف والتوجس من صرف المدخرات والمداخيل، تلك الفترة التي كانت سائدة في منتصف عمر الأزمة السورية، في الوقت الحالي فإن قرار الشراء بات أكثر ليونة ولا تشدد فيه، إنها الفترة التي تلت ذلك الوقت الذي كان يميل فيه المواطن للحفاظ على قرشه الأبيض لأيامه السوداء المتوقعة، بل على العكس فهناك حماسة للشراء لاسيما البضائع المعمرة، خشية ارتفاع أسعارها في الأوقات اللاحقة، لذلك يغتنم الزبون أية فرصة يمتلك فيها مبلغا من المال لشراء أكبر كم ممكن من حاجياته ما يؤثر على طبيعة السوق التي تبقى ممتلئة بذلك النوع من الزبائن، بالإضافة إلى الزبائن الأغنياء أو من الطبقة ما فوق المتوسطة، والتي تعتبر قادرة على الشراء في مختلف الأوقات.

لكنها الأرخص
في دراسة عزفت شبكة عاجل الإخبارية على إنجازها بشكل سنوي، كجرد لأعمال كل عام وتنشرها في كانون الأول عادة، أثبتت السوق المحلية دائما أنها الأرخص سعريا على مستوى المنطقة، أي على المستوى الإقليمي الذي تستوضحه مؤشرات الاقتصاد العالمية.
ووفقا لمعيار "إكسباتستان" المقارن بين أسعار البنود الاقتصادية في عدد من عواصم الإقليم، فإن الأسواق المحلية بالرغم من الأزمة الاقتصادية الحادة التي تتوزع على ثلاثة محاور قاسية، الحصار وتهتك القدرة الشرائية والغلاء المتواتر، فإن هذه السوق أثبتت قدرتها على البقاء في عالم تقديم العروض والعمل بنشاط وتأمين احتياجاتها أو سدها بعروض أخرى ومستجدة.
هذه القدرة هي التي حافظت على الزبون بحسب رأي زاهر صائمة الذي يعمل في التجارة العامة، والذي قال لـعاجل بأن مرونة السوق المحلية وقدرتها على التأقلم مع الظروف، بمعنى أوسع، التغير إلى ما هو دارج ومطلوب من قبل الزبون، هو ما جعلها تحافظ على زبونها الذي لا يستطيع التعامل كثيرا من دونها.
ويعتقد صائمة أن رخص السوق المحلية بالنسبة لدول الجوار وعلى خطوط الإقليم، جعل الزبون ينسى فظاظة الغلاء الطارئ عليها لأنه مضطر للتعامل معها.
ويؤكد صائمة على موضوع المرونة، فالكثيرون من التجار أو أصحاب المحال قلبوا أعمالهم خلال الأزمة إلى ما هو أكثر طلبا، ما جعل من السوق المحلية نفسها مكتظة بمحال تقديم الخدمات الملحة والأولوية والرئيسية، فانعكس ذلك على المشهد المكتظ للزبائن.

جيل يعرف من أين تؤكل الكتف
يرى أبو محمد وهو سائق تكسي، بأن الجيل الحالي لاسيما "الثلاثيني" هو جيل "مفتح" ويعرف من أين تؤكل الكتف، ويشطر كثيرا بـ"تطليع الليرة".
ويقول أبو محمد الذي يبلغ من العمر 50 عاما بأن الشباب السوري لا يخشى عليه لاسيما في المواضيع التي تخص التجارة والأعمال، لكن الظروف لا تساعده كثيرا ولولا ذلك لبلغت قدراته الخارج.
ويردف سائق التكسي الذي عمل في أوقات سابقة في السوق المحلية، بأنه الجيل الحالي تشرب خبرة الجيل الماضي وولعه بالتجارة في سورية التي تعتبر منطقة تجارية متوسطة على طرق التجارة العالمية، كما أنه وبالإضافة تلك الخبرة الماضية فإنه طور أساليبا للتوسع في السوق وبرأس مال قد لا يكون ضخما لبداية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومن هنا تبرز شطارة التاجر المحلي في انتاج العمل، أو القدرة على التحمل كوضع الشاب السوري الذي يعمل أكثر من مهنة في اليوم الواحد، ومن هنا يمكن دعم القدرة الشرائية وتوجيهها إلى الأسواق.

أشباه أغنياء.. والصامتون
إذن فإن الإجابة على أنه من أين يأتي أؤلئك الأثرياء، لا يمكن أن تنتهي ببساطة، لكن يمكن تصحيح السؤال إلى من الذين هم في السوق، فليس الجميع في السوق، هم الأغنياء وحدهم، بل هناك المتفرجون والباحثون عن العمل والعمال في السوق، بالإضافة إلى الزبائن الحقيقيين والمفترضين.
هناك كلام آخر غير الذي سبق، وسعوا دائرة النظر إلى المشهد في السوق، وبعد إحصاء أرقام الحشود في السوق، لتقارن بالحشود التي هي بلا حس ولا خبر، ولا تمتلك القدرة على الشراء وتعيش على المعونة بعيدا عن أضواء العرض والطلب، هل يمكن مقارنة أعداد هؤلاء الأخيرين بأعداد الحشود في السوق، هذا الكلام يبدو جوابا منطقيا أكثر.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]