السعودية ومصر .. إلى أين؟

السعودية ومصر .. إلى أين؟

رابط مختصر


المصدر: عاجل - صحف
القسم: متابعات وصحف
13 تشرين الأول ,2016  02:59 صباحا






رأي اليوم

لم تشهد العلاقات السعودي المصرية حالة من التقلب والشد والجذب في الخمسين عاماً الماضية مثلما شهدته في العامين الماضيين، ومنذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى كرسي العرش في السعودية، وبات من المؤكد أن التوتر في العلاقات بين البلدين سيتصاعد في الأيام القليلة القادمة.

بعد الحديث عن تحالف استراتيجي بين البلدين وضعت خطوطه العريضة الزيارة التي قام بها الملك سلمان إلى القاهرة، وما تخللها من اتفاقات بإقامة جسر فوق خليج العقبة يربط البلدين بريا، وإقامة مشاريع استثمارية ضخمة على الجانب المصري من الجسر في سيناء، وتوقيع اتفاق أولي بإعادة السيادة السعودية على جزيرتي صنافير وتيران، ها هي العلاقات تنتكس مجدداً، وتعود إلى ما دون المربع الأول، ولن نستغرب اشتعال الحرب الإعلامية بينهما قريباً، إن لم يكن قد بدأت، وإقدام الحكومتين على تبادل "اللكمات الدبلوماسية" أيضاً على أكثر من مسرح اقليمي، وربما دولي أيضاً.

قبل يومين، حملت إلينا وكالة "رويترز" العالمية للأنباء تقريراً استخبارياً يقول أن السعودية أوقفت إرسال المساعدات الشهرية النفطية إلى مصر لشهر تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، وهي المساعدات التي تقدر بحوالي 23 مليار دولار تمتد إلى خمس سنوات، ويبلغ حجمها 700 ألف طن شهرياً.

الأسباب التي تكمن خلف هذه الخطوة معروفة ولا تحتاج إلى الكثير من الشرح، فالقيادة السعودية غاضبة من بعض المواقف التي اتخذتها الحكومة المصرية، وترى أنها تصب في مصلحة أعدائها، مثل الانفتاح على ايران، وتطوير العلاقات واللقاءات معها، والتأكيد على شرعية الرئيس السوري بشار الأسد، ومعارضة أي تحرك لتغيير نظامه، وأخيراً التصويت لصالح مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن الدولي، الذي يعارض فرض أي حظر للطيران السوري الروسي في حلب، ويشدد على ضرورة مواصلة قصف الجماعات الاسلامية المتشددة المصنفة "ارهابية".

القيادة السعودية، ومثلما أبلغ "رأي اليوم" أحد المسؤولين السابقين فيها، فوجئت بهذه المواقف المصرية والانفتاح على الحكومتين السورية والايرانية بالذات في مثل هذا التوقيت، ورأت فيها "طعنة" في الظهر بعد حزمة المساعدات المالية الضخمة التي ضختها في الخزانة المصرية المفلسة، وتبلغ حوالي 27 مليار دولار.

وأضاف المسؤول نفسه بأن القيادة السعودية قبلت على مضض "التحفظات" المصرية عن أي مشاركة عسكرية في الحرب على اليمن، وقبلت بدور مصري "شكلي" في إطار تحالف "عاصفة الحزم"، ولكنها صُعقت بالانفتاح المصري المتسارع تجاه خصمها الايراني.

ولعل الصدمة السعودية الأكبر، جاءت عندما شاركت مصر بوفد كبير في مؤتمر غروزني الذي انعقد قبل شهرين في العاصمة الشيشانية، تحت عنوان تعريف "أهل السنة"، ولم تدع إليه السعودية، وأخرج البيان الختامي للمؤتمر الحركة الوهابية من "أهل السنة"، ووصفها بالتطرف والإرهاب.

الملك سلمان بن عبد العزيز لم يكن مرتاحاً لسياسة سلفه الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز في الانفتاح على مصر، ودعم الحكم فيها في مواجهة حركة الإخوان المسلمين الذي جرى إبعاد رئيسها محمد مرسي من الحكم بإنقلاب عسكري قاده المشير السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع في حينها، واتجه إلى تركيا كبديل عن مصر كحليف إقليمي استراتيجي، ولكنه تراجع عن هذه الخطوة سريعاً وبعد أشهر معدودة (الملك سلمان تولى الحكم في يناير عام 2015)، وعاد إلى التحالف مع القاهرة مجدداً بعد رد الأخيرة بدعم غير مباشر للتحالف "الحوثي الصالحي" في اليمن، والدخول في وصلة "غزل" مع إيران وسورية، وتطوير العلاقات مع موسكو.

السؤال الآن عن الصورة التي ستكون عليها العلاقات بين البلدين في الأسابيع والأشهر المقبلة؟

من المؤكد أن الرئيس السيسي سيمضي قدماً في سياساته "المناكفة" للسعودية، فهو بصدد منح الروس قاعدة بحرية في منطقة سيدي براني شمال غرب مصر، وهناك تلميحات بقرب إعادة فتح السفارة المصرية في طهران، وتقديم دعم سياسي، وربما عسكري للتحالف "الحوثي الصالحي" في اليمن، وإرسال وزير الخارجية المصري سامح شكري في زيارة رسمية إلى دمشق، أو استقبال نظيره السوري وليد المعلم في القاهرة، وإعادة التأكيد على أن جزيرتي تيران وصنافير مصريتين، وإصدار قرار عن المحكمة المصرية العليا، أو من البرلمان يؤكد ذلك.

في المقابل يمكن أن تقدم السعودية على خطوات انتقامية مثل تعبئة الدول الخليجية (باستثناء سلطنة عمان) وتحريضها على تجميد أي مساعدات مالية للحكومة المصرية، وإغلاق أبواب العمل في وجه المصريين، وتقديم دعم سياسي ومالي وإعلامي لحركة "الإخوان المسلمين" في مصر وليبيا وسورية واليمن، وتطوير العلاقات مع إثيوبيا التي تعمل حالياً على بناء سد النهضة لتحويل مياه النيل، وتقليص حصة مصر.

العلاقات بين الحكومات العربية، ومصر والسعودية خصوصاً، تتسم بـ"الموسمية" و"المزاجية" و"الحرد"، و"التبعية"، ولا تقوم على أسس استراتيجية، فإما أنت معي في كل شيء أو ضدي، وممنوع عليك ان "تطرح السلام" على خصومي أو حتى تبتسم لهم، فهذا خط أحمر ممنوع عليك اجتيازه، الولاء المطلق أو العداء المطلق.

السعودية نجحت في تعبئة دول الخليج الأخرى خلف سياساتها الغاضبة تجاه مصر، وكان لافتاً أن العلاقة الخاصة جداً بين الأخيرة ودولة الإمارات العربية باتت تتسم بـ"الفتور" في الأيام الأخيرة، بالمقارنة لما كان عليه حالها قبل عامين، والشيء نفسه يقال أيضاً عن العلاقات الكويتية المصرية، فالزيارات لمسؤولي هذه الدول إلى القاهرة تراجعت وتقلصت، ومعها الدعم المالي، وبدأت بعض الأوساط الخليجية خاصة في الإمارات تتحدث عن ضرورة الإصلاح الاقتصادي الموسع في مصر، وتنتقد سياساتها الاقتصادية، وتحذر من انهيار وشيك في هذا الميدان.

من يتابع الاعلامين المصري والسعودي، وحسابات نشطاء البلدين على وسائط التواصل الاجتماعي يلمس دون عناء أن عاصفة إعلامية تتجمع قواها هذه الأيام، وتبادل القصف الاعلامي الثقيل بات وشيكاً.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]