تكشيرات وعوائق.. التعامل المصرفي إلى الحضيض سِر

تكشيرات وعوائق.. التعامل المصرفي إلى الحضيض سِر

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
10 تشرين الأول ,2016  16:42 مساء






لم يعد الدخول إلى البناء المصرفي، أيا كان توصيفه أو تبعيته، يحمل ذلك الشعور من اللياقة، بعد أن فقد القطاع المصرفي ألقه، عقب عهد ذهبي من النشاط والتوسع في القدرة على جذب الزبائن واقناعهم بالتعامل المصرفي، إبان مضي فترة اعتماد الادخار المنزلي.
لا يتوقع زبون المصرف شيئا خارج عنوان اللباقة في التعامل المصرفي، وفيما كانت المصارف الخاصة على عتبة الخطر والانحدار إلى ما يشبه البطالة، عاودت المصارف الحكومية قدرتها على التنشط لأن الزبون أكثر وثوقا بها في هذه الفترة فحسب، حينما تضعف ثقته بجهات أخرى خشية الإفلاس أو الإغلاق، وحتى لو لم يكن هذا التوجس قريبا إلى الواقع، فإنه رائج لدى الزبائن من باب الشائعات والخوف من المجهول ولو كان خرافيا.

تعقيد وإرباك ولؤم
المهم، أن المشهور في السلوك المصرفي هو استقبال الزبون بالترحاب "من عند الباب"، هذا موجود فعلا في المصارف الخاصة، وعكسه في المصارف العامة.
يقول "سامر.د" لشبكة عاجل الإخبارية خلال سحبه لمبلغ 1.200.000 ليرة من أحد المصارف، أنه حتى الآن أمضى معاملة روتينية بسيطة لسحب إيداعات مالية ليست قيمتها المالية كما السابق، بمعنى أنها ليست بالمبلغ الكبير جدا في هذا الوقت، المشكلة ليست هنا، بل في طريقة التعامل التي باتت تضطر الزبون إلى مجاملة الموظف في الوقت الذي ينبغي فيه العكس تماما، وإلا فإن معاملة سحب الإيداعات ستتعقد أكثر وربما يصبح طابور الانتظار أطول بسبب لحظة لؤم تظهر على ملامح نافذة "خدمة" الزبائن.

عرج الجمل من شفته
حجة الموظف لتبرير تأففه الدائم والذي بات معتاداً ومتوقعاً في وجه الزبون، هو أن الضغط في الإيداع والسحب وإجراء التعاملات المصرفية ازداد لاسيما في فترة الأزمة التي تمر بها البلاد، نظرا لتوجه عموم الزبائن إلى الاعتماد على المصارف الحكومية التي لا تقدم بطبيعة الحال، نفس "الدلال" الذي يقدمه المصرف الخاص.
في الحقيقة لم تكن طريقة التعامل هذه قائمة على الإطلاق، بل كان ثمة جو حميم من المنافسة بين المصارف العامة والخاصة في تدليل الزبون، لم تلبث أن اختفت في المصارف العامة لتتحول إلى عملية رفع ضغط بالخصوص في خدمة ATM أو الصراف الآلي التي صارت سيرتها على كل لسان وتسبب الحنق دون أي حل ملموس رغم توالي الشكاوى منذ نحو عام ونصف.
يتسائل سامر، الزبون المذكور سابقا، هل هو "البطر" الذي أودى باللباقة المصرفية للتحول إلى "تكشير" حاد في وجه الزبون لدى استفهامه عن بعض الأمور التي ليس هو مجبر على الإلمام بها، وكيف يكون ازدياد ضغط التعامل المصرفي حجة لتبرير النزق، بدلاً من أين يكون سبباً في الإنتعاش الذي يطلبه كل مصرف.
يتصادف تساؤل سامر، أو حيرته من الواقع، مع تخطي إحدى المتعاملات لطابور الانتظار الرقمي، الذي يوزع الدور بحسب أرقام تظهر على شاشة النداء الإلكتروني المرفقة بنداء صوتي، لتسأل تلك المتعاملة عن قدرتها على تحصيل دور لها لقبض مرتبها فتجيبها الموظفة بأن عليها العودة إلى الوراء فورا!!.

درجة التحفيز صفر
لنترك قليلا قصة السؤال البسيط والجواب المر، يقول "صلاح الدين.ب" أحد موظفي المصارف الخاصة بأن العمولات التي يجنيها الموظفون هي حقوق طبيعية لتطوير العمل وتعتبر كحوافز إنتاجية.
وبحسب علم الاقتصاد المختص بالإدارة المصرفية فإن هذه العمولات تبنى على ما يستطيع الموظفون جلبه من تعاملات مصرفية لاسيما لجهة الإيداعات النقدية، وهذا الأمر يكاد يغيب في المصارف العامة ليتحول الموظف فيها إلى عامل روتيني لا يعنيه اكتساب الزبون والمحافظة عليه.
في الحقيقة – والكلام لصلاح – فإن المصارف العامة مهددة بالعودة إلى الوراء في حال انحسرت الأزمة الاقتصادية في البلاد وانتعشت المصارف، بالخصوص في مرحلة إعادة الإعمار، لأن الزبون في ذلك الوقت ومع ارتفاع معدلات الثقة بما هو خاص، سيتجه إلى الخدمة الأكثر راحة بالنسبة له والأكثر ديناميكية، لأن الزبون المالي يعتبر من أخطر الزبائن وأكثر احتمالاً على التحرك باتجاه مخدم آخر في حال ارتيابه من أي أمر "مهماً كان أم بسيطاً"، وهذا ما لا يؤخذ اعتباره إلا في المصارف الخاصة.

رمية من غير رامي
حقيقة فإن ما قبل الأزمة كانت فترة أخذت فيها المصارف الخاصة فرصتها فأثبتت سعة في تقديم الخدمات، لتعود من جديد إلى حالة من خلو بهو من أولئك الزبائن المعتمدين كما في السابق نتيجة الشائعات التي سيطرت على السوق المالية والتي جرى الترويج لها على نطاق واسع وتم تصديقها على نفس ذلك النحو بسبب الظروف.
هنا اكتسبت المصارف العامة زبائنا جددا، وعلى ما يبدو فإنها إما لم تكن متحضرة لاستيعاب ذلك العدد، أو أنها وقعت في ورطة الاستيعاب على جهة التعامل، وعلى هذا المحك ظهرت العيوب بشكل نافر جداً، أولها في قطاع الصراف الآلي الذي أصبح "وجع رأس" بالنسبة لجميع المتعاملين من ناحية التوقف عن العمل في أغلب الأحيان، وتلك الأحيان تكون وقت الذروة أي في فترة استحقاق الرواتب الشهرية التي بات يتمنى فيها المتعاملين عودة المحاسب التقليدي لأنه على الأقل لا يؤجل قبض الراتب لأيام، مع وجود طابور الدور الذي يتشابه إلى حد بعيد مع طابور الدور الذي بات مشهدا طبيعيا في بداية كل شهر أو انتصافه عند استحقاق رواتب المتقاعدين.

خليك بمحلك
إلى قصص المتعاملين، يقتطع الزبون ورقة للانتظار على الدور، الذي يعني وسط كمية المتعاملين المتواجدة في بهو أي فرع من المصارف هدرا للوقت، فيما يبرز من بين أؤلئك الكثير من الزبائن الذين يريدون الاستعلام لا أكثر ولا يجدون جوابا شافيا.
من عادات المصارف بشكل عام أن يظهر الارتياح قدر الإمكان على الزبون، وتبذل المصارف في هذا السياق جهودا كبيرة لتحقيق هذه النتيجة، أما في موضوعنا هنا فإن القلق من فوات الأوان خصوصا وأن فترة إغلاق الصندوق هي عند الواحدة ظهرا أو بحسب الشبكة التي يمكن أن تنقطع في أي لحظة وفي بعض الأوقات بحسب مزاجية الموظف الذي قد ينسحب في أي لحظة من قبالة نافذته ليسجل عبارة "Closed" التي تخيب عملاء البنك على قائمة الانتظار الطويلة.
ليس القلق وحده، بل التململ والتعب يظهران أيضا ليشيران من خلالهما إلى أن الخدمة ليست على عافيتها في المصارف العامة من خلال رأي العملاء الزبائن، وهنا لا يجب الاتجاه إلى المعنيين الذي "تطن" آذانهم كثيرا بسبب تكدس الشكاوى من التعاملات المصرفية، بل التذكير الدائم برأي الزبائن لأن من يريد أن "يعمل جمّالا" فعليه أولا أن "يرفع باب بيته"، لاستيعاب ذلك القدر من المعاملات دون أن يدخل الزبون في متاهات الملاحظات النقدية التي يوجهها الموظف له لتخفيف العبء عليه، الواقع حقا دون تحفيز مالي، لرفع قدرته على التحمل.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]