جنوب دير الزور.. حيث سقط الأمريكيون

جنوب دير الزور.. حيث سقط الأمريكيون

رابط مختصر


المصدر: محمود عبد اللطيف
القسم: مقالات
19 أيلول ,2016  17:38 مساء






ما تؤكده المصادر العسكرية في مدينة دير الزور، ينفي أن يكون الاستهداف الأمريكي لمواقع الجيش في جبل الثردة يوم أمس ناتجاً عن خطأ في تقدير قيادة عمليات التحالف الأمريكي، خاصة وأن القاذفات الأمريكية من طراز "A-4"، استخدمت رشاشتها التي تعد الأضخم من نوعها حول العالم لملاحقة عناصر الجيش السوري في النقاط التي تم استهدافها، الأمر الذي يشير إلى أن الرغبة بإيقاع أكبر خلل ممكن في صفوف الجيش بما يسمح لـ"داعش" بالتمدد نحو المدينة المحاصرة كانت حاضرة وبقوة.
ردة فعل الجيش السوري السريعة، إضافة إلى التفاعل الفوري من الحكومة الروسية مع الحدث على المستويين السياسي والعسكري، حولت المعركة في جبل الثردة إلى مواجهة مباشرة ما بين التحالف السوري الروسي من جهة، والتحالف الأمريكي من جهة أخرى، الأمر الذي أجبر المقاتلات الأمريكية على الانسحاب من الأجواء السورية نحو أراضي إقليم شمال العراق "كردستان"، حيث القواعد العسكرية الأمريكية تعمل على مدار الساعة لرصد الأرض السورية وتحولاتها، وبهذه المواجهة يكون الصراع الدائر في سورية قد انتقل إلى مستوى متقدم من العمل العسكري الذي سيفضي إلى إنهاء الأزمة بشكل قطعي، فالقول إن الأمريكيين لم يتحسبوا لكامل السيناريوهات قبل تنفيذ عملية "جبل الثردة" ضرب من الخروج عن المنطق، والقول إن الرد السوري كان بارداً، أو إن التفاعل الروسي مع ضخامة الحدث كان بمستوى أقل من المطلوب ضرب من الخيال أيضا، إذ تشير الدلائل إلى أن الأمريكيين حاولوا من خلال هذا "الاستهداف" خلق شرخ ميداني يضعف موقف الدولة من خلال إخراج محافظة ثالثة بشكل كامل عن السيطرة، لتكون "محمية أمريكية للجهاديين"، بما يضمن إنشاء "وطن قومي" للجهاديين في دير الزور بفعل الأمر الواقع، على أن يترك لأنقرة حرية التحرك نحو الرقة.
هذه التعقيدات الميدانية التي يبحث عنها الأمريكيون لتفريغ الاتفاق الذي وقعوه مع روسيا بخصوص "الهدنة في سورية"، إذ أن تعمد واشنطن ستر جوانب من الاتفاق من الواضح إن التغيرات الميدانية التي أحدثها الجيش السوري في خارطة السيطرة فرضت وجودها على الأمريكيين، الأمر الذي لن يعجب حلفاء واشنطن فيما يخص الحرب الدائرة في سورية، لذا حاول الأمريكيون أن يجعلوا من "دير الزور" بوابة لإسقاط البنود التي لم يكشف عنها، إلا أنهم أعادوا بطريقة أو بأخرى إلى الطاولة الطريقة التي تنظر من خلالها الذهنية الأمريكية إلى شكل الدولة السورية، إذ إن وجود دويلة "سنية متشددة" في جزء من الأراضي السورية أمر مطلوب ضمن خطوات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الأكبر، ولأن الأتراك باتوا لا يقبلون بوجود "داعش" في الرقة بكونه المبرر الذي استندت إليه واشنطن لتدعم الأكراد عسكريا في المناطق القريبة من الحدود، فكر الأمريكيون في أخذ "داعش" إلى منطقة بعيدة عن الحدود مع "تركيا"، ومن المناسب وجود التنظيم فيها بما يسمح باستمرارية تدفق النفط وبقية المقدرات الدولة السورية إلى حيث تشاء واشنطن.
إلا أن اللافت في المواجهة التي دارت جنوب دير الزور، أن الدولة السورية التي تجنبت طوال سنوات الأزمة أي اشتباك بأي شكل كان مع عدو خارجي، بدأت ترسل لخصومها الإقليميين والدوليين رسائل مفادها أن زمن استباحة الأراضي السورية انتهى، وأن المبررات التي تقدم من قبل منتهكي سيادتها لم تعد مقبولة، والنار يرد عليها بالنار، وعلى هذا الأساس أقلعت القاذفات السورية لاستهداف "داعش" في جبل الثردة برفقة "مقاتلتين حديثتين" مهمتهما تأمين الأجواء السورية فوق دير الزور أيا كانت الطريقة، الأمر الذي يشير إلى أن إسقاط المقاتلة الإسرائيلية في أول أيام عيد الأضحى المبارك لم يكن إلا مقدمة لرفع مستوى الصراع مع العدو الخارجي، ويشير في الوقت ذاته إلى أن دمشق بدأت تعلن أن النصر على العدو الداخلي مسألة محسومة، فالمنطق العسكري يرفض إقامة حربين متوازيتين من قبل أي مؤسسة عسكرية في العالم، ودمشق التي كانت حريصة على عدم الانجرار إلى معركة يحدد زمنها ومكانها العدو، بدأت ترد بما يتناسب وجر العدو إلى الجبهة التي تريد في الوقت الذي تريد، فإسقاط مقاتلة أمريكية سيكون من شأنه تحويل شرق سورية إلى ساحة مواجهة عسكرية مباشرة ما بين التحالف والجيش السوري، وهي مواجهة ستكون جوية بامتياز، ومن المفيد هنا التذكير بأن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري كان قد اعترف في أيلول من العام 2014 بمعرفة بلاده الكاملة بقوة الدفاعات الجوية السورية، حينها قال كيري ما حرفيته: "سنبدأ عملياتنا في استهداف داعش داخل الأراضي السورية على الرغم من معرفتنا بقوة الدفاعات الجوية السورية"، وهذا يشير إلى أن أمريكا في استهدافها لجبل الثردة كانت تحاول الخروج من عنق الزجاجة الذي وضعهم فيها الروس من خلال "اتفاق الهدنة"، وذلك من خلال اختلاق حدث يفضي إلى نسف ما تم الاتفاق عليه والعودة إلى النقطة صفر، وربما هو ما تريده كل من موسكو ودمشق لإعادة زخم العمليات العسكرية إلى أوجها الذي ينهي الوجود المسلح في سورية.
 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]