نعم.. القصف الأمريكي للقوات السورية في دير الزور كان متعمّداً

نعم.. القصف الأمريكي للقوات السورية في دير الزور كان متعمّداً

رابط مختصر


المصدر: عاجل - صحف
القسم: متابعات وصحف
19 أيلول ,2016  02:06 صباحا






رأي اليوم - عبد الباري عطوان

قبل الغزو الأمريكي للعراق قال لنا دونالد رامسفيلد وزير الدفاع في حينها، وآلته الدعائية الجبارة بشقيها الغربي والعربي، أن أقمار التجسس الأمريكية التي تزدحم بها أجواء العراق تستطيع أن تحدد "النمرة" الداخلية لملابس الرئيس العراقي صدام حسين، وتحديد هوية الدول المصنعة لها.

كلام جميل.. وطالما الحال هو كذلك، ونحن نصدق هذه الأقوال الأمريكية على مضض، نسأل كيف قصفت أربع طائرات أمريكية من طراز "إف 16" موقعاً للجيش السوري قرب مطار دير الزور، وتقتل ثمانين من جنوده، وتصيب المئات بجروح عن طريق الخطأ؟

ولنفترض أن الطائرات الأمريكية تخطئ، فلماذا لا يحدث هذا الخطأ مع القوات العراقية مثلاً في الفلوجة وتكريت والرمادي والموصل، أو القوات الروسية، أو الكردية، أو التركية.. أو.. أو.. وقائمة القوات الخاصة والعامة الموجودة على الأرض السورية أطول من صبر أيوب عليه السلام.

صقور وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" يريدون إفشال اتفاق الهدنة الذي توصل إليه لقاء جنيف بين جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، وسيرغي لافروف، نظيره الروسي، قبل عشرة أيام، ونفذوا هذه الغارات على مواقع الجيش السوري على أمل ان يتلوها رد فعل سوري أو روسي انتقامي، أو إعلان غاضب بانهيار الاتفاق، ولكن هذا لم يحدث لأن الجانبين الروسي والسوري متمسكان به، لما يتضمنه من بنود لصالحهما، وتحليا بضبط النفس.
***
هناك نظرية تقول أن الطائرات الأمريكية شنت هذه الغارات على مواقع الجيش السوري كمقدمة، أو تبرير لقصف قادم لمواقع جبهة "فتح الشام"، النصرة سابقاً وحلفائها، مثل "أحرار الشام"، و"جيش الفتح" وغيرها من الفصائل، ولكننا لا نميل إلى هذه النظرية رغم وجاهة بعض جوانبها، لسبب بسيط، وهو أن الإدارة الأمريكية لا تريد الالتزام بالنقطة الواردة في الاتفاق، وتنص على فك ارتباط الفصائل "المعتدلة" بالأخرى المتشددة أو "الإرهابية"، حسب تصنيفها، لأنها وجدت معارضة شديدة من هذه الفصائل لعملية فك الارتباط هذه، ولمست حدوث عملية اصطفاف غير مسبوقة خلف جبهة النصرة بفضل جهود المفتي الشيخ عبد الله المحيسني، والاجتماعات المكثفة التي عقدها طوال الأيام المقبلة.

الروس الذين خدعوا بدهائهم شريكهم الأمريكي عندما جروه لتوقيع هذا الاتفاق، وتشكيل غرفة تنسيق عسكرية مشتركة لمحاربة، والقضاء على الجماعات "الجهادية" المتشددة، يدركون جيداً ان القضاء على جبهة "فتح الشام" أو "النصرة"، يعني نهاية المعارضة المسلحة كلياً في سورية، ويبدو ان "الصحوة" الأمريكية لهذه الخديعة جاءت متأخرة.

الفصل بين الفصائل ومقاتليها أمر صعب، ان لم يكن من المستحيل بسبب التدخل الجغرافي أولاً، والتداخل التنظيمي والبشري ثانياً، فهناك العديد من الأشقاء من العائلة الواحدة يتوزعون على العديد من التنظيمات، فكيف يمكن فرزهم، وتصنيف بعضهم، "إرهابي" يجب قتله، والآخر "معتدل" يجب الحفاظ على حياته؟ وهنا تكمن ورطة التعهد الأمريكي.

من تابع مقابلة أبو محمد الجولاني زعيم تنظيم "فتح الشام" على قناة "الجزيرة" يوم السبت، وما أدلى به من تصريحات، يدرك جيداً خريطة الصراع على الأرض السورية، فالجولاني وجه نقداً لاذعاً للإدارة الأمريكية لأنها ما زالت تعتبر جبهته "إرهابية" رغم فك ارتباطها مع تنظيم "القاعدة"، وكأنه يقول أنه فعل ذلك بإيعاز منهم، وحلفائهم العرب، وأكد أنه يريد إقامة "كيان سني" مستقل على الأرض السورية والقضاء على الطوائف الأخرى، ومحاربة "المشروع الرافضي"، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما تحدث عن مخطط روسي أمريكي "هدفه استسلام" الفصائل المسلحة التي تقاتل الحكومة السورية، وقال أن أمريكا تحاول "أن تفعل الآن في سورية ما فعلته في العراق قبل عشرين عاماً"، وهذا يعني رفضاً واضحاً لاتفاق الهدنة، وأي عملية أو حلول سياسية يمكن التوصل إليها في مؤتمر جنيف إذا ما قدر له الانعقاد.

أمريكا تغرق في مأزق كبير في سورية لا تعرف كيف تخرج منه، وتعتقد أن انهيار اتفاق الهدنة قد يكون أحد المخارج، لإعادة تعديله وفق مطالبها وحلفائها، سواء في المعارضة السورية أو الدول الخليجية الداعمة لها.

وسائط التواصل الاجتماعي، وموقع "اليوتيوب" خاصة، مليئة بالأشرطة التي تعكس حالة الغضب الشديد تجاه أمريكا في أوساط بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة، مما يعني أن حالة الكراهية لأمريكا التي بلغت ذروتها أثناء الغزو الأمريكي للعراق، وتراجعت قليلاً في سورية بسبب الدعم لبعض فصائل المعارضة المسلحة، تعود، أي "الكراهية"، إلى صورتها السابقة، وربما أكثر قوة.

التفاهمات الأمريكية الروسية بشقيها السياسي والعسكري تواجه امتحاناً عسيراً هذه الأيام، والأيام القليلة القادمة، التي ربما تشهد لقاء بين كيري ولافروف، وربما بوتين وأوباما، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ربما تكون حاسمة لإنقاذ اتفاق الهدنة من عدمه.
***
الإنقاذ يعني تراجعاً روسياً، وتعديل بنود الاتفاق تجاوباً مع المطالب الأمريكية، والانهيار يعني تمسك الجانبين بمواقفهما، وهو التمسك الذي أدى إلى إلغاء اجتماع مجلس الأمن الدولي لاعتماده، أي الاتفاق، يوم الجمعة الماضي.

من الصعب ترجيح أي من الاحتمالين، التعديل أو الانهيار، ولكن البديل للانهيار ربما يكون العودة للمربع الأول، واشتعال حرب روسية أمريكية بالإنابة على الأرض السورية، يمكن أن تتطور، إذا لم تطوق بسرعة، إلى حرب مباشرة لا يريدها أي طرف، وعلينا أن نتذكر أن الحرب العالمية الأولى انفجرت بسبب اغتيال ولي العهد النمساوي.

أوباما المتهم من خصمه دونالد ترامب، المرشح الجمهوري بـ"الجبن" في سورية، ربما يريد أن يرد على هذا الاتهام "بعمل ما" لتحسين حظوظ المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، التي يتراجع تقدمها في استطلاعات الرأي بشكل متسارع، تماماً مثلما قدم 38 مليار دولار مساعدات لدولة الاحتلال الإسرائيلي للغرض نفسه لكسب أصوات اليهود.

أيام صعبة قادمة حافلة بالمفاجآت.. واتفاق الهدنة بات في غرفة "الإنعاش".. وما علينا إلا الرصد والانتظار كالعادة، وهل نملك أي خيار آخر؟
 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]