"المنبوذون" في المفاضلة الجامعية.. إلى "المعمعة" سِر

"المنبوذون" في المفاضلة الجامعية.. إلى "المعمعة" سِر

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
08 أيلول ,2016  15:57 مساء






ينتهي المستقبل الدراسي لدى نسبة معتبرة من فئة الشباب عند الشهادة الثانوية، ليبدأ بعدها الخوض في متاهات الحياة العملية بكامل استحقاقاتها والتزاماتها، ويغيب في الموازاة، حلم التحصيل الجامعي بمجرد صدور المفاضلة الجامعية التي تضع حدا قاسيا لتلك الأحلام، وبجرة إعلان واحد.
تعتبر هذه الفترة لحظة مفارقة، بالفعل، بالنسبة للشباب الذي يفتش عن أمر آخر يشغله غير حلم التحصيل الجامعي، ذلك بعد فترة من الحداد لا يتم الصحو منها إلا على واقع قاسٍ في خضم سوق العمل أيا كان تصنيفه، أو المسارعة إلى الحياة الزوجية بالنسبة للفتيات، وفي هذه الحال فإن "السالب" يفرض نفسه عبر هدر للطاقات التي ستنام أو "تطمر" دون أن تجد من يكتشفها أو يرعاها، إلا لمن تضحك له الدنيا بضربة حظ.
على أبواب المسابقات
تغلب الفئة الثانية عدديا الفئة الأولى في مضمار العاملين في القطاع العام، كما وتزداد الفئة الثالثة لتقارب الفئة الثانية في وجودها هناك، وكذلك بشكل في القطاع الخاص، وينجم عن ذلك قلة الخبرة الأكاديمية لدى الكوادر العاملة واتجاهها أكثر إلى الاعتماد على الخبرات العملية التي تحتاج إلى وقت طويل لتكوينها.
وعلى أبواب المسابقات التي يعلن عنها من فترة لأخرى، تزدحم فئة الشباب لتقديم أكثر ما تم تحصيله من أوراق ثبوتية، استطاعت جعبهم حملها على مدى الأيام للحصول على وظيفة تبعد شبح البطالة فيما يطوى ملف الحلم الجامعي لدفع قلق يثقل عليهم أثناء دخول غمار الحياة.
يقول حسن ط. الذي يعمل في إحدى الجهات المسؤولة عن المسابقات، أن مجمل الطلبات يتم ردها لقلة الاستيعاب الوظيفي، وهنا ترى الخيبة من جديد على وجوه أؤلئك الذين خرجوا من دائرة الاستيعاب الجامعي، لتبدأ سلسلة بحث جديدة.
ويؤكد حسن أن "اللي حظو بعبو" ذلك الذي يحظى بعقد موسمي قابل للتجديد، على الأقل فهو يضمن معاشا آخر الشهر إلى جانب أمل بتغير إلى الأفضل أو فتح فرص جديد بعيدا عن الأمل الجامعي.
إلى السوق سِر
لكن ماذا عن ذلك الذي أصابته خيبة عدم الاستيعاب الوظيفي بعد خيبة عدم الاستيعاب الجامعي، يتنهد اسماعيل مناف الذي يبرع في أعمال فن الديكور منذ سن المراهقة ويقول أنه عاش الضياع بعد ذلك، بين الحلم الذي كان يتمناه والواقع الذي يعيشه.
يعمل اسماعيل في أي عمل يتاح له، وعلى الأغلب في أمور البناء، كان يحلم بأن يصبح مهندسا للديكور فتعلم في هذا المجال من سوق العمل وليس أكاديميا، ولو أفصح عن ذلك فأنه سيجابه بسخرية القدر والمجتمع معا لأن الجميع لا ينظر إلى ما لديه من قدرات، بل إلى ما هو فيه من "معمعة" الحياة ويقول لـعاجل أنه تمنى الشهادة الجامعية كثيرا ليكون عمله في الإطار الأكاديمي لكن ذلك، قبل أن يخرج من "مولد المفاضلة بلا حمص" بحسب تعبيره.
ما الذي سيتغير بالنسبة لاسماعيل لو أتيح له التحصيل الجامعي؟، يجيب بأنه على الأقل كان توسع في العمل بشكل أرقى بعيدا عن "بهدلة" السوق، وحصّل مكانة تتيح له التطور أكثر، وعلاقات تفتح له آفاقا كما يعتقد.
وحتى الآن، تقوم الأعمال التي ينجزها اسماعيل على الخبرة اليومية والتطوير الذاتي الذي يدفع أجره بشكل محصور دون تطوير أو توسع، يرد اسماعيل هذا "البؤس" إلى عدم التحصيل الأكاديمي، رغم أن رفاق له كما يقول يؤكدون له مرارا أن إنجازه للعمل، فيه من التقنية أكثر ما لدى الأكاديميين لأن السوق تعلم بشدة أكثر.
"ختايرة" على أبواب الكارات
من الملمات المريرة في هذا السياق، والتي تظهر بعد كل ما سبق من هموم ومشاكل، هي وقوف "المنبوذين" في المفاضلة الجامعية على أبواب الكارات لتعلمها في عمر لا تقبله السوق، وهنا تفرض الانتهازية نفسها دون كلمة رد في وجهها.
يتمنى البعض، ولاسيما وسط الأزمة المعيشية الخانقة التي تمر بها البلاد، لو أنه تعلم مهنة وسبر كارا بدلا من التعلم والوظيفة التي لم تعد تطعم خبزا، وأؤلئك البعض، كثير.
وبحسب أعراف السوق المحلية، فإنها لا تقبل الوافد إليها في عمر متأخر، أو أنها تأكله وتبتزه لحاجته، وتستنزف طاقته حتى وقت متقدم من حياته ليكون نفسه فيها، ويؤكد اسماعيل أنه من يريد أن يتعلم كارا بعد المرحلة الثانوية كمن يطلب لبن العصفور، أو أنه سيكون مثارا للسخرية وحينها، عليه أن يعمل بصمت مهما سمع من كلام جارح، حتى يفرض نفسه في غابة السوق.
مأساة حقيقية متعددة الأوجه وقاسية الظروف إلى درجة الإنهاك، حينما تقف فئة الشباب الأعلى عددا في المجتمع السوري، على مفترق حاد بين الخروج بأيدٍ خالية من الحلم الجامعي، وبين الوقوف على حافة دخول معترك العمل والأسواق بخجل أو بدون، وهناك ستهدر طاقات وقدرات على الإبداع.
الزواج المبكر.. قليلا
ثمة مكان آخر "ينزح" إليه الخارجون من المفاضلة الجامعية، أو بمعنى أدق، "ينزحن" إليه تلك الفتيات اللواتي توقف مستقبلهن الدراسي عند ضفاف "البكالوريا" وهو الزواج. تقول سهام التي قبلت الزواج بعد أن كانت لا تفكر به إلا بعد انتهاء الحياة الجامعية التي لم تستطع الولوج فيها، إنها نسيت تماما تلك الأحلام مع تراكم الهموم الحياتية التي تتداعى يوميا على نفسية الفرد، ولم يبق من تلك الأحلام سوى ذكرى تلمع عند المرور بالقرب من الجامعات أو الكليات، أو سماع شيء ما عن الامتحانات والتخرج وما إلى ذلك.
وتتابع سهام بأن الصعوبات ما بعد الخروج من الحلم الجامعي، تزداد على الفتاة أكثر من الشاب، لأن هذا لديه الكثير من الفرص لفتحها بينما تلك لا تمتلك تلك القدرة على الحركة لفتح الأبواب، لذا فإما الجلوس في بيت العائلة بانتظار عريس، أو السعي خلف حظوظ وفرص ليست لديها الكثير من الإمكانات لتحقيقها.
وتؤكد سهام أن الزواج بعد "الثانوية" هو زواج مبكر حقيقة، لأنه يتم في سن لم يستو فيه النضج بعد، وسط تعقد في الحياة وتشابك عما كان سائد في الأزمنة السابقة، وهنا تتفتح مشاكل جديدة سيتلقاها المجتمع فيما بعد.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]