عن مقتل العدناني .. ومستقبل داعش في المنطقة

عن مقتل العدناني .. ومستقبل داعش في المنطقة

رابط مختصر


المصدر: عاجل - صحف
القسم: متابعات وصحف
01 أيلول ,2016  04:08 صباحا






رأي اليوم - عبد الباري عطوان

حتى يتم حسم الجدل عن الجهة المسؤولة عن اغتيال أبو محمد العدناني، الناطق الرسمي باسم تنظيم "الدولة الاسلامية"، وأول من أعلن قيام دولة الخلافة في العراق وسورية في حزيران (يونيو) عام 2014، فإننا نقول، دون تردد، بأن مقتله كان خسارة كبيرة وقاسية للتنظيم، لما يتمتع به من كفاءات عالية في الميادين العسكرية والإعلامية معاً، والخبرة الطويلة في "العمل الجهادي" تمتد لأكثر من عشرين عاماً.

التنافس بين وزارتي الدفاع الأمريكية ونظيرتها الروسية على ادعاء "شرف" اغتيال العدناني، يؤكد مكانة الرجل وأهميته وخطورته، مثلما يؤكد أيضاً التنسيق بين الدولتين العظميين على أعلى المستويات الاستخبارية والعسكرية، لاجتثاث هذا التنظيم واستهداف قياداته الواحدة تلو الأخرى.

اغتيال العدناني، وأي كانت الجهة التي نفذته وتقف خلفه، جاء نتيجة اختراق أمني لصفوف التنظيم، وهذا أمر غير مفاجئ، إذا نظرنا إلى عدد الأجهزة الاستخبارية العالمية والاقليمية، وقدراتها الهائلة التي تقف وراء هذا الاختراق، ابتداء من المخابرات الأمريكية "سي إي إيه"، ومروراً بوكالة "إم آي 6" البريطانية، وانتهاء بالاستخبارات العسكرية الروسية، ناهيك عن وكالات الاستخبارات الاقليمية، من إيرانية، وأردنية، وسورية، وعراقية، والقائمة تطول.


***

رحيل العدناني سيكون خسارة كبيرة لتنظيم "الدولة الاسلامية" لأنه كان أكبر بكثير من كونه ناطقاً بإسمها، فقد كان عقلاً عسكرياً جباراً أيضاً، وتولى قيادة الجناح العسكري للتنظيم بعد مقتل أبو عمر الشيشاني في تموز (يوليو) الماضي، وانخرط في صفوف تنظيم "القاعدة" قبل العام 2000، وبايع أبو مصعب الزرقاوي رئيساً لفرعه في العراق، وقاتل الاحتلال الأمريكي بشراسة، وكان من أوائل المقاتلين السوريين الذين انضموا إلى صفوف المقاومة العراقية.

وما لا يعرفه الكثيرون، ونسمح لأنفسنا بكشفه في هذه الصحيفة "رأي اليوم"، واستناداً إلى مصادر موثوقة، أن العدناني الذي اعتقل من قبل القوات الأمريكية بين عامي 2005 و2010، كان من المجموعة القليلة التي تعد على أصابع اليد الواحدة التي بذرت البذور الأولى لتنظيم "الدولة الاسلامية" في سجن "بوكا"، قرب البصرة، وكان صديقاً وثيقاً لأبو بكر البغدادي، زعيمه، وأقام معه في زنزانة واحدة مع آخرين من ضباط الحرس الجمهوري والجيش العراقي الذي حله بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي، وجرى اختياره عضواً في "مجلس الشورى" الذي تأسس بعد اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، وانبثقت عنه "الدولة الاسلامية" لاحقاً.

لا نبالغ إذا قلنا أن الدولتين العظميين، والولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص، سيشعران بالارتياح لاغتيال العدناني الذي كان الوجه الوحيد المعروف الذي يظهر على الشاشات، وأفلام الفيديو، لأنه هندس معظم الهجمات الأخيرة في باريس وبروكسل، وأورلاندو، وشاطئ نيس، ويملك قدرات تعبوية وتجنيدية هائلة في صفوف الجاليات الاسلامية في الغرب.

آخر رسالة صوتية للعدناني كانت في أيار (مايو) الماضي، عندما حث أنصار "الدولة الاسلامية" وخلاياها النائمة بتنفيذ هجمات دموية بكل الطرق والوسائل ضد الأمريكان والفرنسيين:
بالرصاص والعبوات الناسفة، والسكاكين، والدهس، والحرق، وحتى بالبصق، وهذا أضعف الإيمان، في رأيه، ووجد تجاوباً من بعض "الذئاب المنفردة"، خاصة من قبل منفذ هجوم نيس الإرهابي الذي استأجر حافلة ضخمة، وانطلق بها دهساً لكل من كان على رصيف الشاطئ.

تنظيم "الدولة الاسلامية" سارع، وعلى غير عادته، إلى إعلان نبأ مقتل العدناني في اليوم نفسه، مؤكداً عبر وكالة أعماق الرسمية، أنه كان يشرف على القتال في مدينة الباب في محافظة حلب، وكان لافتاً أنه وصفه بـ"الحسني القرشي"، موحياً أنه من الإشراف، مثله مثل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وهذه معلومة جديدة بالنسبة إلينا على الأقل، ومؤكداً أنه سينتقم لمقتله.


***

الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها تتلخص في أن هذا التنظيم لم يعد يخسر مناطق ومدن مهمة، مثل منبج وجرابلس والفلوجة وتدمر والرمادي، وإنما العديد من قياداته في الصفين الأول والثاني في حرب استنزافية على جميع الصعد، الأمر الذي دفع بعض الخبراء إلى التكهن بأن الضربة القادمة قد يكون ضحيتها زعيمه أبو بكر البغدادي نفسه.

من المؤكد أن هذا التنظيم، مثل معظم التنظيمات الأخرى سيجد بديلاً للعدناني، لأنه ليس تنظيم "الرجل الواحد"، وقيادته جماعية بالدرجة الأولى، تبتعد عن الأضواء، لكن تعويض العدناني لن يكون سهلاً، لمكانته المؤثرة في صفوف التنظيم أنصاره، وقدراته الخطابية والإدارية العالية والمتعددة.

تنظيم "الدولة الاسلامية" سيخسر كثيراً، ومصابه كبير، برحيل الناطق بإسمه دون شك، وفي هذا التوقيت الذي تتعاظم عليه الضربات وتنكمش قاعدته الجغرافية، ويفقد الآلاف من رجالاته، ولكنه لن يندثر أو ينهار كلياً، فأمامه خيار العمل السري تحت الأرض، والانتقال إلى "الخطة B"، أي الأعمال الإرهابية وتكثيفها، والتمدد في مناطق أخرى في العالم الاسلامي، والتخلي عن الخطة "A" التي تتمثل في التمكن الجغرافي، وهنا قد يكون خطره مضاعفاً عدة مرات.

إقامة سرادق الاحتفال بإنهيار هذا التنظيم الارهابي الأخطر، ربما يكون سابقاً لأوانه، حتى لو تم اغتيال زعيمه البغدادي نفسه، لأنه تنظيم عقائدي، قبل ان يكون سياسي عسكري.. وما يجري في المنطقة من فوضى دموية وتدخلات عسكرية يوفر له، ولأمثاله، الحواضن "الطائفية" التي يريدها، وهذه مسألة أخرى.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]