التجارة الإلكترونية .. ظرف طارئ يخرجها إلى الحياة

التجارة الإلكترونية .. ظرف طارئ يخرجها إلى الحياة

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
30 تموز ,2016  16:07 مساء






مخاض عسير جداً مرت فيه عملية أتمتة الشؤون الحياتية والخدمات الأولية والضرورية يومياً، حتى أبصر بعضها النور وصرخ صرخته الأولى دون اكتمال عملية النمو، فيما بقي الآخر قيد انتظار الولادة إلى أجل غير مسمى.
وواقعاً، فإن الأتمتة طالت جوانباً مهمة من تلك الخدمات، لكنها لم تلبث أن عادت إلى نقطة الصفر، بل، وطالب زبائنها بالرجوع و"التوبة" عنها كما في خدمات الصراف الآلي الذي يصبح سيرة على كل لسان عند أول كل شهر وفي العشرين منه لدى استحقاق معاشات القائمين على رأس عملهم والمتقاعدين، حيث "يغص" الصراف الآلي ATM ويؤجل عملية قبض الكثيرين أياماً، هذا على سبيل المثال، وينطبق تماما على خدمات النافذة الواحدة.

أتمتة ومشكلة وشماعة
بالنسبة لمشكلة ATM التي يضرب بها مثل سوء جودة خدمات الأتمتة، فيمكن للقائمين عليها تعليقها على أكثر من شماعة، الكهرباء وتوقف الشبكة وانتهاء مدة صلاحية البطاقة ونقص الأدوات إلخ...، نفس هذه الشماعات معروفة لتبرير سوء جودة خدمات النافذة الواحدة التي يقف فيها أرتال الزبائن على الدور بانتظار تخليص مصالحهم.
لم يختلف الواقع كثيرا بعد الأتمتة عما قبله، من ناحية استهلاك الوقت، الفرق فقط هو في تحميل المسؤولية لجهاز الكومبيوتر والشبكة والكهرباء بدلا من الروتين الممل والمستنزف للجهد.
يؤكد العديد من المواطنين الذين وجدتهم شبكة عاجل الإخبارية أمام قصر العدل والنافذة الواحدة في محافظة دمشق على طابور الانتظار، استغرابهم من "الفتلة" الطويلة العريضة فيما يخص إنجاز المعاملات من ناحية استصدار الأوراق الثبوتية التي تكاد لا تنتهي، إذن ماذا جلبت الأتمتة من منافع؟، تساؤل لدى الغالبية من المواطنين الذين يعقبون معاملاتهم برزمة ثخينة من الأوراق الثبوتية، ولماذا لا يمكن اختصار تلك الأوراق ببيان واسع يجمع كل الثبوتيات اللازمة التي ينبغي توافرها على مخدم إلكتروني واحد يجمعها من الجهات عدة، أوليس ذلك هو المفروض للقول بأن عملية الأتمتة هي أتمتة بالفعل؟!، أسئلة يقف عندها المختصون بهذا القطاع للبحث عن شماعات لوضعها مكان الأجوبة.

تجارة إلكترونية = إعلان إلكتروني فقط!
قبل الأزمة، عقدت الكثير من المعارض المختصة بالتجارة الإلكترونية وكذلك المؤتمرات، ومع ذلك لم تشهد السوق انطلاقة حقيقة للتجارة الإلكترونية التي بقيت قيد التداول بين مختصين بالأمر وزبائن قيل أنهم "مفذلكين"  لاتباعهم هذه الطريقة.
وتجدر الإشارة أنه رغم كل ذلك النشاط، فإن التجارة الإلكترونية بقيت محصورة في عمليات الإعلان التجاري الذي أغلق آخر أبوابه حوالي العام 2003 بسبب ما أصاب السوق المحلية من انتكاسات.
محمود س. أحد أصحاب شركات الإعلان الإلكتروني سابقا، وأغلق أعماله بسبب الأحداث يقول أن التجارة الإلكترونية لم تنجح كثيرا بسبب ضعف الأدوات، أي البطاقة الذكية وخدمات التوصيل وما إلى ذلك.
يؤكد الكلام السابق أنه حتى المختصين والعاملين بهذا النوع من الأعمال عالقين بالنظريات، فهناك فرق شاسع بينها بالمقارنة بتجربة السوق المحلية التي تثبت مع الأيام قدرتها على التأقلم والتواجد رغم كل ما يستعصي، بل أنها تفلح في عمليات التسويق والترويج، بخلاف ما تقوله النظريات الجامدة.

"كدسة" تنظير و"نتفة" عمل
كثير من التنظير وقليل من العمل، ولا يزال النقاش قائما حتى الآن في موضوع التجارة الإلكترونية، حتى أن غرفة تجارة دمشق والجمعية العلمية للمعلوماتية عقدت ندوة الأربعاء الماضي لتناول هذا النوع من التجارة، بينما في الواقع، تحلق التجارة الإلكترونية عاليا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
وعلى ما يبدو فإن المهتمين والمختصين بالأتمتة اعتادوا الندوات والجلوس للنقاش بعيدا عن السوق، الصاخبة جدا بالأعمال، حيث يمكن لأي كان حاليا الوصول إلى صفحات التجارة الإلكترونية التي أنشئت بجهود شخصية ولاقت ترويجا عاليا بحسب ما تظهر أرقام المتابعين لتلك الصفحات على "فيسبوك" التي تقارب حوالي الـ 70 ألف  متابع على أقل تقدير للصفحات المشهورة.
في الندوة الأخيرة ظهر أن المتناقشين ما زالوا يقفون على حدود تحرير التجارة للسلع والخدمات ودخول جميع الشركات في الأسواق وتحقيق التنافسية، بينما السوق تنجز أعمالها بكل ما هو متيسر عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي دون التوقف لحظة لصرف الوقت في الكلام.

عقارات ومستعمل وأشياء أخرى
في ذات الوقت الذي يعتقد فيه مندوبون عن غرفة تجارة دمشق وجمعية المعلوماتية أن التجارة الإلكترونية من شأنها تطوير العمل التجاري، وأن التجربة في سورية لا زالت "صغيرة"، أثبتت التجارة الإلكترونية الناجمة عن صفحات مواقع التواصل نفسها وبقوة، وقطعت أشواطا لتسبق الفريق الأول بكثير.
وتشمل التجارة الإلكترونية حاليا عقارات للبيع والشراء والإيجار، والأدوات المنزلية والمفروشات المستعملة والجديدة، والكثير من الحاجات النثرية كالملابس والساعات والإكسسوارات، إضافة إلى السيارات والعِدد الثقيلة مواد البناء والديكورات، والتي تلاقي رواجا عاليا بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وكل تلك الأعمال أنعشت السوق بشكل واضح جدا بعد  تعرضها إلى ظروف قاسية كادت أن تودي بها إلى ما يشبه كسادا كاملا.

ظرف طارئ
يشرح رامي وهو أحد تجار العقارات لـعاجل أن الظرف الطارئ الذي مر بالتجارة بشكل مجمل، وهو ما ساعد بولادة التجارة الإلكترونية على صعيد واسع، وخروجها من شرنقة التنظير.
ويقول رامي الذي يدير أعماله من مكتب في جرمانا بريف دمشق وعبر صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن أغلب الزبائن حاليا غير قادرين على الوصول إلى العرض المتوافر في السوق والبحث عن طلبهم بسبب تعقد طرق التجارة، وصفحة واحدة على مواقع التواصل مع جودة الترويج لها يمكن أن تقوم بالمهمة وتحديد خيارات البيع والشراء.
وتبدو العملية بسيطة جدا، صورة للعرض أو السلعة المعروضة مع شرح تفاصيل بطريقة سريعة ووافية ورقم هاتف أو "واتس أب" مع تحديد السعر أو بدون، ويبقى على الزبون الإقبال أو الالتفات إلى خيارات أخرى تناسبه أكثر.
ويؤكد رامي أن البيع عن طريق هذا النوع من الترويج منتعش بنسبة معتبرة، لأنها استطاعت اختصار الوقت والمسافة بالنسبة للعارض والزبون ولو عبر وسطاء أو من غير الأخيرين، وهذا هو الهدف الحقيقي للتجارة الإلكترونية لا أكثر.

ما يطلبه الجمهور
لا يقتصر الأمر على نوع محدد من العروض التجارية، فهناك صفحات مختصة بمختلف أنواع البضائع، لاسيما الهواتف الجوالة والمفروشات والأدوات المنزلية وحتى الملابس، وبات مشهورا لدى الجميع أن السلعة من الأفضل البحث عنها من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بدلا من النزول إلى السوق والتجول في متاهاتها وتضييع الوقت.
ويمكن القول فعلا إن ما لم تشمله التجارة الإلكترونية حتى الآن هو الغذائيات والمأكولات والخضار والفواكه فقط.
ظرف  طارئ ولا 10 نظريات على الشجرة
جميع ما سبق، يعني أن التجارة الإلكترونية أثبتت نفسها بقوة وسط هذا الظرف الطارئ الذي تمر به البلاد وأسواقها، فيما لم تفلح أي من محاولات توليدها قبل الأزمة.
صحيح أن هذا النوع من الأعمال ليس كاملا بالمطلق، فليس هناك بطاقة ذكية ودفع عبر الشبكة، إلا أن البيع والشراء متيسر وقائم بالفعل، بدءا من شراء منزل أو سيارة وربما استئجارهما، وصولا إلى شراء كافة احتياجات المنزل.
وفي مكان آخر، وفيما أثبتت فاعلية السوق المحلية المشهورة إقليميا أنها أطول يدا من جميع عمليات التنظير ذات النفس الطويل والأعصاب الباردة، والمفترقة عن الانغماس في العمل والتنفيذ، قد ترسخ تلك الفاعلية العملية للسوق المحلية أن الندوات والمؤتمرات ليست أكثر من أحلام في الهواء، أو في أحسن الظروف أنها مجرد أحلام مؤجلة، ويخشى أن تكون ذرائع للتعقيد والعرقلة أكثر منها وسائل للتنظيم، وذلك ما يفتح أبواب العشوائية والتدخل بطرق مريرة لهدم كل ما بني وإضاعة الجهود والخبرات.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]