الرقابة التموينية في الأسواق.. جدل بيزنطي

الرقابة التموينية في الأسواق.. جدل بيزنطي

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
20 تموز ,2016  15:31 مساء






عدة أيام تمر، لا تكاد تخلو من أخبار إنجاز ضبوط تموينية في الأسواق التي تغلي بأسعارها، ليتبين سريعا أن الضبوط التموينية لا تتجاوز كونها تصفيف للمخالفات وجني للغرامة، لتعود الأمور كما كانت وكأنك يا "بو زيد ما غزيت".
المفروض أن هذه الضبوط هي لحماية المستهلك وجعله أكثر قدرة على الشراء، وليست "للبروظة"، لكنها حقيقة لا تزيد التاجر إلا حنقا فيما لا يلمس من وراءها المستهلك أي شيء، والمفروض أكثر أنها وضعت كحل في مواجهة الغلاء في أسعار السلع الذي لم يعد يحده حد.
زمان أول تحوّل
لم تفلح الجهات المعنية في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك حتى الآن في رسم هيبة للرقابة التموينية، يستذكر المستهلكون أن هذه الرقابة بالذات كانت أكثر ما يخشاه التاجر، حتى بنسبة أكبر من خشية الخسارة لأنها كانت ذات سطوة في الأسواق وتعمل على أن القدرة الشرائية للمستهلك خط أحمر.
أما الآن فهي ليست أكثر من هفوة يتعرض لها التاجر والمحال التجارية أثناء يوم البيع، يمكن حلها بدفع الغرامة ويمكن الالتفاف عليها بحسب "الشطارة".
وفي السابق أيضا، كان المستهلك إذا ما شعر بغبنه في الأسعار، يلوح بعصا التموين، أما الآن فلا شيء أكثر من الانصياع للأسعار اللاهبة أو الانصراف عن الشراء، وفي حال كانت السلعة رئيسية فأنها ستستنزف القدرة الشرائية "بلا أي نَفَس".
بحصة ما بتسند جرة
يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك عدنان دخاخني لـعاجل أن عدد الضبوط التموينية ارتفع لاسيما خلال شهر رمضان الفائت، وهو الذي يعتبر موسما جيدا للبيع والشراء، لكن، لاشيء تغير في واقع السوق إيجابا.
دخاخني أوضح أن هناك كم هائل من الباعة وممارسي البيع والشراء، فيما عدد المراقبين بالنسبة للباعة يعتبر، رمزيا، لذلك فإن هناك فوضى في السوق.
ويرى دخاخني أن انتشار البسطات لعرض سلع بأسعار أرخص لم يحل المشكلة قطعا، لأنه وبالنظر إلى مجمل السوق فإنها استغلت ظرف المواطن وقدرته الشرائية، لذلك فنحن أمام أزمة أخلاق في السوق.
من جديد
ويسهب دخاخني في شرح مشكلة السوق المحلية، حيث قل إن الدخل لم يعد يتناسب مع الأسعار المطروحة، لأن الغلاء يحسب بالنسبة للدخل والحد للارتفاع حاليا هو بمقدار 10 أضعاف.
ويضيف دخاخني أنه لو تضاعف الدخل مع ارتفاع الأسعار بشكل موازٍ لم تم الشعور بالغلاء، لذلك لابد من معالجة المشكلة من جذورها.
من كيس المستهلك
وإذا كان المطلوب معالجة المشكلة من جذورها، فيبدو أن الضبط التمويني وتحرير المخالفات في هذا السياق، ليست حلا يبنى عليه لأنه وكما يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك فإن المخالفة سيدفعها المستهلك بعد أن يزيد التاجر ثمن السلعة باعتبار ما دفعه خسارة يجب أن تعوض.
وبالفعل فلا تظهر المخالفة التموينية بأنها ذات ثقل في السوق، وإلا كان الواقع تغير في الكثير من نطاقات البيع، بل على العكس فثمة أسواق لم تشم رائحة الرقابة التموينية ولا تعرف لونها، وتفعل ما يحلو لها بمدخرات المستهلك، وهذا ما يتوضح من خلال شكاوى المستهلكين بأحاديثهم اليومية فيما يتم الابتعاد عن صندوق الشكاوى الرسمي لأنه لا طائل من الانتظار.
سوء الطالع
تعرض علي م. وهو صاحب أحد محلات السوبر ماركت في منطقة المزة لمخالفة تموينية خلال شهر رمضان، ويروي عن تجربته بأنها فقط لتعقيد الموقف على البائع حيث أنه يعرض السلع كما يقول بنفس الأسعار المتداولة في السوق، لماذا هو بالذات؟ يتسائل.
ويردف علي أن الأسعار التي يتم البيع من خلالها تجري بما هو رائج من أسعار في السوق، لسلع تتنوع بين الغذائيات والمنظفات، ويعتقد مليا أن سوء الطالع هو ما أوقع "كبسة التموين" عليه، مشددا على أنه لا يمكن البيع بأرخص من سعر التكلفة ولابد من جني أرباح، وهذه الأرباح تجنيها السوق كلها.
هذا الجدل البيزنطي قائم وبشدة في السوق، فلا يمكن إلقاء اللوم على أحد ولا حتى المعاتبة، فالتاجر عالق بين سعر التكلفة المرتبط بسعر الصرف، وسعر البيع والمخالفة التموينية، والمستهلك عالق بأزمة خانقة بين السعر المطروح والقدرة على الشراء، والاضطرار كل مرة إلى الحذف من قائمة الاحتياجات، وخلال البحث عن حل، كل يلقي الكرة في ملعب أعشابه طالت وتشابكت وتعقدت وهو سعر الصرف الموصول بسعر التكلفة.
لا علاج حقيقي
يعود دخاخني للتأكيد بأن الضبوط التموينية إجراء لا بد منه، لكن مشكلة السوق كبيرة ولابد من تدخل الخبراء وهو ما لم يجري حتى الآن.
ويعني ذلك أنه حتى الآن ليس هناك تجربة حقيقية لتوصيف العلة والعمل على مداواتها.
أما بالنسبة لدور جمعية حماية المستهلك، فيقول دخاخني إن مهمتها هي فقط إيصال صوت المستهلك إلى الجهات المعنية لأن الجمعية، ليس لها أي سلطة تنفيذية وليست هي بطبيعة الحال جهة معنية، ولا يمكنها الآن تقييم عمل أحد، وتبقى بانتظار ما تحمله الأيام القادمة الذي هو منوط بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، لأنه تعقد حاليا اجتماعات بين وزارة التجارة الداخلية والفعاليات التجارية.
متل قلتها
وفيما يخص الضبوط التموينية والرقابة، يؤكد دخاخني أنها لم تفعل شيئا بخصوص حماية المستهلك ولا يمكنها ضبط جميع المحال التجارية.
ويعتقد رئيس جمعية حماية المستهلك أن الإجراء ليس ناجعا والوضع يحتاج لعمل كثير.
والواقع، يشير إلى أن المستهلكين وجدوا في الرضوخ للغلاء أهون عليهم من المناقشة والمجادلة فيه، لأنه مر لا بد من تذوقه كل يوم عند الشراء، وأصبح التأقلم معه أيسر من "الدعاء عليه" والشكوى منه، وكل "مين في إلو مخ ويدبر حالو".


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]