المنتج المحلي من المريخ.. و«البالة» من الزُهرة

المنتج المحلي من المريخ.. و«البالة» من الزُهرة

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
12 تموز ,2016  13:16 مساء






قبل أن تحشد خمس وزارات حشودها في مواجهة ألبسة "البالة"، كانت هذه الأخيرة "تقش" السوق في موسم الأعياد، لكن على غير عادة السوق السوداء، فيما لو تم اعتبارها جزافا "سوق سوداء".
وهناك، نافست البالة جميع بازارات التدخل الإيجابي التي أعلنت عنها شركات ومؤسسات حكومية وأخرى خاصة، بشكل كبير، فاستقطبت الزبائن بالآلاف، الذين لم تعجبهم عروض البازار الخاص في مؤسسات سندس، حتى بتخفيض أسعارها إلى مستويات قياسية وانصرفوا، إلى البسطات في الشوارع.
أكوام العروض
في الحقيقة، قدمت "البالة" عروضا خيالية مقارنة بما فعلته السوق منذ بدايات الأزمة في سورية، فقدمت الألبسة على مختلف مقاساتها وأنواعها في مشهد يذكر بفترة ما قبل انتعاش أسواق الألبسة المحلية الصنع قبل نحو عقد من الزمن.
وبموازاة انتشار البسطات في أسواق مشهورة بغلائها، في باب توما والشيخ سعد بالمزة والجسر الأبيض إلخ...، كانت محال الألبسة "تقاتل ذباب وجهها" وسط زحمة الزبائن الذين انهالوا على بضاعة "أي قطعة بـ100 ليرة".
لكن أحد الباعة أكد لـعاجل بأن البضاعة المعروضة محلية الصنع 100%، وكان حذرا للغاية في الإجابة بعد أن استشف من السؤال رائحة "إخبارية" ممكنة للرقابة التموينية، أو مادة للصحافة.
وقدمت "البالة" عروضها في موسم كان اليأس فيه يستحكم بالقدرة الشرائية للمستهلكين، الذين وجدوا في هذا السوق طاقة فرج، بسبب الأسعار التي تعينها المحال التجارية المعتادة والتي لا تتوافق بأي شكل مع مستوى الدخل لأغلب شرائح السوريين.
التدخل الإيجابي.. كش مات
فيما كان يتلقف ويبحث بين قطع الألبسة المعروضة على البسطات، قال سامر د. وهو أحد الزبائن بأنه كان "سيصطحب عائلته إلى مؤسسات التدخل الإيجابي على مضض"، ولكن تم تغيير الوجهة حينما رأى البسطات وعاينها.
وبحسب سامر فإنه لا يعنيه إذا ما كانت هذه القطع مستوردة أجنبية ومستعملة، فالمهم هو جودتها ومستوى صلاحيتها وبالطبع أولا السعر، وهذا ما حشد الزبائن والمستهلكين أمام البسطات حينما وجودوا أن كسوة العيد لفرد واحد لن تتعدى تكلفتها ما كان يكلف أيام زمان أي بين 500 ليرة إلى 1000 ليرة.
وتتقاطع في هذا الرأي، زوجته حنين التي أكدت أن "همها زال بوجود بسطات البالة حينما كان التفكير والتدبير منصب على كيفية إيجاد حل لكسوة الأطفال في العيد مع أن الأسعار تتطلب أضعاف الراتب الشهري".
من أين..؟
يقال في السوق، أن مصدر البضاعة أوروبي مستورد عن طريق لبنان، وآخرين لا يعنيهم المصدر، لكن في الحقيقة أن السؤال الأهم والذي يتداوله المستهلكون هو عن صلاحية هذه الألبسة.
بلغ سعر القميص والتي شيرت وألبسة الأطفال نحو 100 ليرة، بينما بلغ سعر بنطال الجينز 400 ليرة في الحد الأقصى، وهذه الأسعار تعتبر مفارقة كبيرة مع واقع السوق، الذي يعرض القمصان بين 2500 ليرة فما فوق، والبنطال 4000 ليرة فما فوق حتى الوصول إلى أسعار خيالية.
أما الأحذية فأشارت لائحة الأسعار في البالة بأنها تتدرج من 500 ليرة وحتى 1000 ليرة، فيما أسعارها في السوق تبدأ من عند 8000 ليرة فما فوق.
المهم أن الأكيد هو "ضرب" البالة لسوق التدخل الإيجابي والأسواق الأخرى التي أثبتت فشلها من جديد في حال توفر البديل.
فالمستهلكون على مختلف الصعد، باتوا معتادين بأن التدخل الإيجابي "لا يقدم ولا يؤخر"، ويبقى مقتصرا على عروض للسلع من أنواع ليست من النخب الأول بأسعار "أقل قليلا" وهو ما لم يشفي أوجاع القدرة الشرائية.
وذات هذا الأمر بحسب سمير عماري –أحد الزبائن في سوق البالة- تم استنساخه في التدخل الإيجابي بسوق الألبسة، حيث لم يقدم حلولا على الإطلاق لا من جهة الأسعار أو النوعية.
ويضيف سمير أن الزبائن لا يمكن أن يتجهوا إلى البالة لولا أنهم وجدوا فيها ضالتهم، خصوصا بعد أن مر زمن نسوا فيها شكل ورائحة البالة، لذلك فأن تعود البالة إلى الظهور وإثبات نفسها فهذا يعني أن السوق باتت في شقاق كبير مع المستهلك الذي يبتعد عنها كلما سنحت له الفرصة إلى أماكن أخرى كبديل عن مقاطعة الشراء.
"استقواء"
وصفت مصادر خبيرة بأن قرار الوزارات الخمس بمنع استيراد البالة، بمثابة "استقواء على ضعيف" وكان الأجدى صدور قرار ينظم ويشرعن هذه السوق "الطريّة" على القدرة الشرائية لدى المستهلك، بدلا من السعي لإغلاق منافذ الحصول على سلعة مناسبة وبأسعار معقولة.
وبحسب المصادر ذاتها فإن القرار لن يخدم إلا أصحاب المحال التجارية الخاصة بالألبسة الذين يعانون أصلا من الكساد، بسبب عزوف الزبون عن عروضهم بعد الأسعار "المريخية" التي اظهر على واجهات محالهم.
وتساءلت المصادر عن كيفية دعم المنتج المحلي، ففي أوقات ازدهار السوق لم يكن هناك دعم لذلك المنتج من ناحية الصناعة، فارتفعت أسعاره في مقابل المستورد بالطرق الشرعية أو غيرها "التهريب"، ما جعله درجة ثانية ليس من حيث النوعية بل من حيث السعر، لذلك لا يمكن الاحتجاج بدعم المنتج المحلي في هذا الوقت بالذات، ولا بمعايير الجودة الصحية التي تحدث عنها القرار الذي ما زالت المصادر، ترى فيه، أنه تشريع لمصادرة البضاعة المعروضة في السوق "الطريّة".
المنتج المحلي.. حقا تدهور
يعلق أنور أحد أصحاب محال الألبسة بأن الكلام عن منع تدهور المنتج المحلي في مجال صناعة الألبسة هو كلام فات أوانه، لأن المنتج المحلي تدهور حقا، وذلك لا ينطبق على الألبسة وحسب، بل على كثير من المنتجات، وذلك بسبب سوء الرعاية.
وبينما "ينبش" أنور بين ثنايا بضاعته مع شبه خلو لمحله من الزبائن، يؤكد بان الكساد أكل وشرب على عمليات التسويق التي كانت رائجة في أوقات مضت، فمن هو الزبون الذي يحتمل شراء البضاعة ويعذرنا على أرقام الأسعار، الغالبية تتجه لانتقاء الأرخص وهذا حقها وسط الأزمة المعيشية الحالية.
ويعترف أنور أن أسعار المنتج المحلي باتت مريخية بالنسبة للقدرة الشرائية، ولذلك فهي تفتقد القدرة على المنافسة وبالتالي، فإنها ستعود إلى كسادها الذي تشهده منذ حوالي أكثر من عامين ونصف، وليس الحل على الإطلاق بمنع المنافسة، بل الحل معروف وشائع، هو دعم المنتج المحلي صناعيا.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]