ليالي «البساط الأخضر» السوداء.. التفحيم يحرق الأخضر ويترك اليابس

ليالي «البساط الأخضر» السوداء.. التفحيم يحرق الأخضر ويترك اليابس

رابط مختصر


المصدر: عاجل _ ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
02 تموز ,2016  19:29 مساء






لا يصدق الكثيرون، بالتحديد، القرويون الذين يعيشون وسط المناطق الحراجية الكثيفة والغابات، أن غالبية الحرائق التي تنشب في الحراج بين الفينة والأخرى، محض صدفة.
صحيح أن الدارج هو "لفلفة" الموضوع، وتأييده ضد "مجهول" في أكثر الأوقات، أو إرجاع المسؤولية على "ماس كهربائي" أو القضاء والقدر، لكن التعليقات الجانبية من قبل "المتعايشين" مع هكذا أحداث تفيد بأصابع خفية، قبل أن تصدر اعترافات رسمية من جانب وزارة الزراعة بوجود "ضعاف نفوس" كمصدر لنشوب الحريق.

أكثر من «زعرنة» بكثير
وعلى سيرة ضعاف النفوس، فإن المشكلة، المصيبة، غالبا ما يكون ورائها مشروع "تفحيم"، أي حرق الحراج دون ترخيص وبشكل مخالف للقوانين الناظمة التي تصدر تراخيصا في أوقات معينة من السنة، لصناعة الفحم وبيعه في السوق.
وفيما انتعشت، خلال سنوات الحرب على سورية، تجارة الحطب بشكل لافت بسبب قلة توافر مادة المازوت وغلاء سعرها في السوق السوداء، لاقت بالتوازي عمليات التفحيم نشاطا بالنظر إلى الأرقام الصادرة رسميا لإحصاء الحرائق في الغابات، والتي ما زال ضبوطها بلا أصابع اتهام، إلا تلك العبارة التي باتت معتادة في أغلب الأوقات والتي تتهم عادة أسبابا طبيعية أو ماس كهربائي إضافة إلى ضعاف النفوس.
وضعاف النفوس، بحسب مصادر قروية في منطقة مصياف، هم أشخاص اعتادوا العمل خارج القوانين ولديهم تنفذ، حيث يقومون بحرق الحراج الموقوف للدولة، أي أن ملكيته حكومية، ومن ثم جمع ما احترق وسوقه إلى مصانع الفحم ثم إلى الأسواق وتحقيق أرباح، بعد الحصول على المادة الأولية "مجانا"، مستغلين قدراتهم التنفيذية.

500 العام الماضي
بحسب ما أكدت وزارة الزراعة العام الماضي، فإن أعداد الحرائق الحراجية التي نشبت بلغت نحو 500 حريق لغاية تشرين الثاني.
وبحسب تلك الإحصائية الرسمية فإن الحرائق الـ 500 "أكلت" حوالي 19000 دونم معظمها في منطقة الغاب ومنطقة مصياف، وذلك نتيجة أعمال إرهابية وضعاف النفوس تسببوا بتلك الحرائق.
وتتراوح كثافة الحرائق بحسب المنطقة وبعد الحراج فيها عن مراكز المدن، لأن إحصائية الحرائق لعشر سنوات في منطقة اللاذقية بين 2001 و2011 بلغت 1039 حريقا، تعود أسبابها إلى مس كهربائي، إهمال، صواعق، ويظهر التفحيم أيضا كقاسم مشترك في مجمل أسباب الحرائق على اختلاف المناطق.
وكانت الذروة هناك، في في اللاذقية بحسب مديرية زراعتها، 257 حريقا عام 2012 التهم 5 مليون شجرة على مساحة 10 آلاف هكتار، وفي العام التالي ازدادت الحرائق بشكل ملحوظ بسبب اعتداءات الميليشيات المسلحة التي قامت بإشعال الحرائق في الغابات بشكل مكثف لاسيما انطلاقا من المناطق التي كانت خارج السيطرة.

موسم التفحيم.. قريبا
يشد المهتمون بالبيئة والحريصون على الغطاء الأخضر، الذي بدأ بالتراجع كثيرا، أنفاسهم بدءا من هذه الأوقات ووصولا إلى فصل الشتاء، حيث يبدو "موسم" التفحيم والإحراق المفتعل الذي تكمله الأسباب الطبيعية.
فمن المعتاد، أن مثل هذه الأوقات تنشب حرائق مفتعلة بحسب مصادر محلية تقاطعت في التأكيد أن التحطيب والتفحيم أصبحا "شغلة اللي مالو شغلة" من ضعاف النفوس، لتقارب نسبة الحرائق المفتعلة 99% من نسبة الحرائق المندلعة في الحراج، فيما تقدر تقارير بأن هناك في مثل هذه الفترة من العام حوالي 4 حرائق يوميا على الأقل.
وإذا كان التفحيم "بريئا"، فإن ما يشعل النار أكثر هو الرياح التي تنقل الحريق إلى حراج آخر، أو تنظيف المزارع من الأعشاب بطريقة الحرق وهي الطريقة الأسرع والأوفر بالنسبة لبعض المزراعين، ودائما الخاسر هو ثروة حراجية ذات منافع متشعبة على صعيد الزراعة وتربية المواشي والسياحة.

مسلسل..!
مسلسل الحرائق الذي يأكل الحراج، أصبح طويلا دون توقف ولديه جزء متجدد كل عام يتعرض لأجمل مواقع الطبيعة في البلاد.
أما تكرار هذا "المسلسل" هو ما دفع سكان تلك المناطق لعدم تصديق إرجاع الحرائق إلى أسباب طبيعية، خصوصا وأن السوق التي ستعرض لاحقا "منتجات" الحرائق ستكون مكتظة وإن، لا يمكن تحديد هوية الفحم ومنطقة اقتطاعه بشكل غير شرعي.
اللافت في الموضوع، أنه ما زالت تلك الحرائق تندلع أيام العطل، كي لا تتمكن الجهات الرسمية من إخمادها فور اندلاعها، وهو أمر أكده القرويون في منطقة مصياف بمحافظة حماه.
وما يساعد على تقوية فرضية وقوف ضعاف النفوس خلف أغلب الحرائق، هو أن هاتيك الحرائق لا تنشب هذه الحرائق إلا في الغابات والحراج الأخضر، حيث الحرارة تنخفض بطبيعة الحال، بالتوازي مع وجود مناطق أخرى أعلى حرارة، ومصنفة على أنها ليست جراجية ويغمرها العشب اليابس وبقايا الحصاد، أي تتوافر فيها مقومات اندلاع الحرائق، ويبقى الواقع هناك دون نشوب فيها حرائق.

إجراءات ضعيفة
اعتبرت مصادر هندسية في وزارة الزراعة، لـعاجل، أن إجراءات مكافحة الحرائق لدى مديريات الوزارة ضعيفة، لاسيما في المناطق الحراجية ذات الكثافة العالية كما في المناطق الساحلية.
وقالت المصادر إن الإجراءات تعتمد على سيارات الإطفاء التي يتم الاستعانة بها من خلال مديريات المناطق في المحافظات، وهي لا تكفي في حالات الحرائق الكبيرة وتتطلب جهودا عالية، وغالبا ما يتم الاستعانة بالجيش والقوات المسلحة للمساعدة في إخماد الحرائق كما جرى مؤخرا في منطقة حدودية مع لبنان هي كفير يابوس.

الناطور غايب
وتضيف المصادر أن المناطق الحراجية في أغلبها، هي مناطق عذراء لناحية الاستثمار وذلك منذ وقت طويل، وبالتالي فإن عين "الناطور" على الأغلب عائبة عما يجري في تلك الحراج.
ولذلك، وبحسب المصادر، يمكن أن تكون تلك الحراج مرتعا لضعاف النفوس وكل من لديه مشروع تفحيم وتحطيب، واستثمار غير شرعي وبشكل خطير.
وتحذر المصادر من أن الأوقات الحالية هي موسم التفحيم بالفعل وتنبغي زيادة الرقابة والمتابعة بشكل كبير، لأن "حراس الغابات" حالة انقرضت حاليا، لتبقى مسؤولية هذه الحراسة والحماية فارغة.

أرقام
حتى كتابة هذه السطور، ومن ضمن إحصائية غير مكتملة لكنها وفقا لمديريات الزراعة، فإن حرائق شهري أيار وحزيران، المسجلة، التهمت أكثر من 1500 دونما في الحراج.
وطالت هذه الحرائق مناطق حراجية في ريف دمشق وسجلت الأسباب ضد مجهول، حماه وهناك التهمت الحريق 50 دونماً، حمص ومناطق أخرى.
كما تم ضبط 3000 مخالفة حراجية في المحافظات، فشملت الضبوط (قطع وتشويه أشجار، تفحيم وكسر أراضي، ورعي بدون رخص نظامية).‏
هذه الأرقام لا تبشر أي أحد، من غير ضعاف النفوس طبعا، لأن "موسم" المخالفات في أوله، ويبقى على عاتق وزارة الزراعة، تصعيد إجراءاتها لحماية الحراج إلى جانب ما تقوم بها من إحصاءات وضبط مخالفات، وإلا فإنه لن يبقى إلا "اليابس" للاهتمام به، وهذا الرأي تتفق عليه مصادر بلدية وأخرى قروية، مع مصادر رسمية.
 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]