اقتصاد «الحجي».. المستهلك مخنوق في خانة «اليك»

اقتصاد «الحجي».. المستهلك مخنوق في خانة «اليك»

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
25 أيار ,2016  14:51 مساء






بعد كل حادث، أو حدث من عيار ارتفاع سعر الصرف، تنشط المهاتفات الخلوية أو الأرضية في السوق، لاسيما أولئك المرتبطين بـشيوخ الكار، للحديث عن ارتفاع في الأسعار وضرورة تسيير وتيسير أمر التسعيرة الجديدة، وليدة اللحظة.
وتقوم المهاتفات هذه مكان المنافسة التي لم تعرفها بصورتها الحقيقة، السوق المحلية يوما، وتطرأ على سوق السلع الرئيسية والتي تعتبر من ضمن أولويات الحياة اليومية، كما جرى يوم الثلاثاء غداة التفجيرات الإرهابية في طرطوس وجبلة والقامشلي، والتي هزت البلاد الاثنين.
اقتصاد الحجي
تعرف مصادر اقتصادية، اقتصاد الحجي، بأنه لفظا تلك التسمية التي درجت على ألسن المتعاطين في شأن السوق المحلية إبان مرحلة تعويم مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي، والتي لاقت انتقادات واسعة بدورها آنذاك.
وفي المعنى، فإن التسمية تعني لدى المتعاطين الشأن التجاري هي مجموعة أصول التعامل في السوق بين الموزعين والمحال التجارية التي تتولى العلاقة المباشرة مع المستهلك، حيث أن هذه الأخيرة لا تجد مفرا من الانصياع لتسعيرات، شـيخ الكـار، والزيادة عليها بأي شكل بالاتفاق العشوائي مع بقية المحال لتحصيل كمية الربح.
وتؤكد المصادر ذاتها أن أصول التعامل في السوق، من ناحية تغذية السوق بالسلع والمواد تفرضها شريعة شيخ الكار وليست مبادئ اقتصادية ترعى حالة السوق نسبة إلى القدرة الشرائية ومستوى الدخل.
أما سبب تسلط هذا النوع من وسائل التعامل، فيعود إلى غياب الحلول البديلة الفعلية لدى المستهلك، إلا قليلا، والتي تجعل منه زبونا مجبرا على شراء السلعة، أو الحرمان من خدمة المنتج المطلوب بالتوازي مع قلة الحيلة وغياب الأسواق البديلة.
آخر نفس
في الأيام القليلة الماضية، حاول المصرف المركزي إضفاء لمسات إيجابية من خلال تخفيض سعر الصرف، وهو ما لم يلمس نتائجه الإيجابية في تخفيض أسعار السلع جميعها والتي باتت مهما صغرت وقل شأنها، تعّير ساعتها على "عقارب" سعر الصرف "اللدغة وبشدة لدخل المستهلك".
وربما، لم يؤثر موضوع تخفيض سعر الصرف كثيرا في إنعاش آمال المستهلك بتخفيض الأسعار، لأن المعلوم في السوق صار هو أن ما ارتفع لن ينخفض، ولم يلبث الحديث أن ينتهي حول "أحلام الانخفاض" حتى جاءت الحوادث الإرهابية لتنوب عن حدث سعر الصرف في إرباك السوق، والتي وصف أوضاعها أحد التجار في منطقة الزاهرة بدمشق لـ عاجل بأنها –أي الأسعار- "نار تغلي في ركوة".
وفي بوتقة هذه النار لا زالت قدرات المستهلك المقطوع من شجرة تذوب وتحترق، وتحترق معه جميع أوراق دخله "المقطوع نصيبه"، وبوضوح، ينتقل هذا الزبون المجبر للسوق من تحت الدلف إلى تحت المزراب من يوم لآخر.
يُمل
وفيما يختلف البعض مع مقولة أن المستهلك مقطوع من شجرة، لاسيما الرسميون الذين يجدون في "حماية المستهلك" عنوانا عريضا لكتابة تعابير تحته، مفادها أن الأسعار تحت أنظار الرقابة، يرى آخرون أن هذا العنوان بات "للجاهة" ليس إلا و"لا يأتي برأسماله" بحسب لغة السوق.
والانطباع العام لدى الفريق الثاني، الغالب على إحساس السوق، أن كل ما تمت ممارسته في سبيل حماية المستهلك، سواء أكان من جهات رسمية تابعة لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك هو ليس أكثر من "روتين" أو "وظيفة تنتهي آخر الدوام" وليست ذات وزن على الواقع الفعلي بالنسبة للمستهلك، فالضبوط التي تجرى بحق التجار المخالفين ويعلن عنها في الكثير من المحافل ليست إلا حبرا على ورق بغياب تسعيرة موحدة صادرة عن جهة تعرف ما هي القدرة الشرائية لدى المستهلك بالضبط، فتعود التسعيرة إلى أصول التعامل المنبثقة عن طريقة شيخ الكار في إدارة السوق.
وعلى مقلب ثانٍ، فإن حماية المستهلك كمشروع تم تبنيه عبر "الجمعية الأهلية"، فعلى ما يبدو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة خصوصا وأن "حسه لم يعد يطلع كما السابق" في زحمة ضجيج ارتفاع الأسعار، التي "طنشت" كل الدعوات التي أطلقها ذلك المشروع سابقا لتقنين تعامل السوق مع المستهلك.
ولذلك، بات الحديث عن حماية المستهلك ووسائل التدخل ضد الارتفاع مملا حتى لدى العاملين في هذا الشأن، ليطفو الكلام عن ضرورة إيجاد حلول فورية لموازاة القدرة الشرائية مع واقع السوق، وإلا صار المستهلك في خبر كان.
انقراض
تؤكد جميع التقارير والملامسات لحال السوق، أن الحاجات المشبعة التي اعتاد عليها المستهلك المحلي في يومياته، باتت حدثا نادر الظهور إلا في العشر الأول من كل شهر أو أقل حتى، حيث يمكن أن تتكرر تلك الظاهرة غير مرة.
وبحسب التجربة، فإن المستهلك المحلي تخلى تماما عن تلك السلع ذات الجودة العالية أو المقاربة لمستوى "العالية"، في سبيل الحصول على كميات أكبر للاكتفاء لأيام أخرى، من السلع ذات الجودة دون الوسط.
ويبدو ذلك في الغذائيات ولاسيما الجاهزة كالمعلبات، والمواد المحضرة مسبقا كاللبن والجبن وغيرها، والتي كان المستهلك في أوقات سابقة يحاول أن يكون ذواقا في انتقاءها.
تتفق الآراء الاقتصادية أن انقراض السلع ذات الجودة من جعبة المستهلك، يعود لعشوائية السوق المحلية، التي تغيب كليا عنها في الوقت الحالي الأرقام القياسية لأسعار المستهلك عبر المكتب المركزي للإحصاء، والتي تتولى البحث في نقاط ارتفاع مؤشر نقاط أسعار المستهلك، ما يثبت عشوائية السوق، وميلها لتكون أشبه بالسكن المخالف المبني كيفما اتفق دون مراعاة الشروط.
رقم صعب.. ومر
ما يزيد من حظوظ عشوائية السوق، هو أنه خلال سنة واحدة مضت، فقدت الليرة حوالي ثلاث أضعاف قيمتها، وهو ما نزل بالمستهلك إلى حالة الاستهلاك بمستوى 25% عما كان عليه سابقا قبل عام.
وهذا الرقم الصعب والمر معا على المستهلك، أي فقدان العملة لهذا الكم من القيمة في عام واحد، أتاح للتوقعات السلبية لدى المستهلك كمعيار اقتصادي، مكانا ثابتا لتقف فيه وتتحكم هي الأخرى بمزاجية السوق غير المنظمة أصلا، ومساهمتها بشكل كبير في تهاوي حالة التسوق.
ما ينتج عن ذلك بالطبع، هو ملء السوق إن لم يكن إغراقه بالسلع من العيار الخفيف، وبمعنى آخر المصنفة في مستوى الجودة المتدني، وهو القائم بالفعل، بعد تخفيف رغبات الشراء من قبل المستهلك المحاصر أساسا في خانة "يك" الغلاء ومحدودية القدرة الشرائية حتى الحد الأدنى، ليصبح ودون أية مقدمات أو مجرد كلمات عن حلول مجبرا على المر، و"فوق الموتة عصة قبر". 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]