وقف التصدير لم يلين أسعار الأغنام.. الحكومة حائرة بين قرارين والتهريب يتحكم بالأسعار

وقف التصدير لم يلين أسعار الأغنام.. الحكومة حائرة بين قرارين والتهريب يتحكم بالأسعار

رابط مختصر


المصدر: عاجل - رؤى ربيع
القسم: تحقيقات
18 أيلول ,2012  16:39 مساء






ملف تصدير الأغنام الذي شغل هذا الموسم نقاشاً مطولاً من الجهات المعنية إلى أن استقر مشروع القرار الصادر بموافقة وزارتي الزراعة والاقتصاد واتحاد الفلاحين بتخفيض رقم التصدير من مليون رأس من ذكور الأغنام إلى 300 ألف رأس، على أن لا تؤثر حركة التصدير على زيادة سعر الكلغ الواحد من الغنم العواس.

مشروع القرار تم إيقافه من قبل الحكومة السابقة منذ نحو الشهرين على خلفية تدخل «حماية المستهلك» والذريعة التخوف من ارتفاع أسعار المادة محلياً، وكانت النتيجة تعطيل صدور قرار السماح بتصدير أي كمية من الأغنام.‏

فشل في اتخاذ القرارات

بعد فشل الحكومتين السابقتين بتخفيض أسعار اللحوم الحمراء عبر قرارها بوقف عمليات تصدير ذكور أغنام (العواس والماعز الجبلي)، بدليل مايشهده السوق المحلي من ارتفاعات مستمرة في أسعار اللحوم حيث يتراوح سعر الكيلو مابين 850 إلى 900 ل.س، فقرار وقف التصدير لم يخفض الأسعار ولا منع عمليات تهريب الأغنام خارج الحدود عبر التجار والوسطاء والسماسرة، الأمر الذي أضاع على خزينة الدولة مبالغ كبيرة جراء قرار غير مدروس من جهة ولم تنل الأسعار رضا المستهلك من جهة أخرى.

حكومة الحلقي قررت إعادة فتح ملف تصدير الأغنام من جديد بعد مضي أقل من عام على صدور قرار إيقاف التصدير المتضمن عدم السماح بتصدير كميات من ذكور الأغنام والماعز الجبلي بسبب ارتفاع الأسعار لكافة أنواع اللحوم في الأسواق السورية ولتحسين استقرار السوق الداخلية وحفاظاً على حماية قطيع الأغنام والماعز، فعلى أي أسس سيكون التصدير، وهل سيُراعي القرار الجديد واقع احتياجا سوقنا المحلية من اللحوم الحمراء.

يشار هنا إلى أن محافظة دمشق عدلت مؤخراً سعر الكيلو الواحد من لحوم الأغنام ليصبح 700 ليرة سورية بعد أن كان ومنذ عام 2006 بـ400 ليرة سورية، مع الإشارة إلى عدم وجود أية التزام من قبل التجار بالأسعار المحددة من قبل المحافظة حيث يصل سعر الكيلو منه في بعض الأحيان ما بين 900-1000 ليرة.

تهريب لا حل له ...

بعد المقترح الذي تقدم به حماد السعود رئيس الاتحاد العام للفلاحين للحكومة السابقة "والتي لم تفتحه" حول إعادة فتح ملف تصدير الأغنام وذكور الماعز براً وبحراً وجواً، تم طرح هذا المقترح مجدداً على الحكومة الجديدة أمام مجلس الوزارء فوافق وزير الزراعة صبحي العبدالله على المقترح شريطة ضمان عدم حدوث أي خلل في الأسواق الداخلية (وفقاً لتقديرات وزارة الاقتصاد والتجارة) من ناحية السعر أو توفر المادة للمستهلك.‏

هذه الموافقة جاءت بعد تأكيدات الاتحاد العام للفلاحين عن وجود حالات تهريب كثيرة وبأعداد كبيرة لقطعان ذكور الأغنام والماعز الجبلي باتجاه السوق العراقية والتركية لاسيما بعد تراجع الحكومة السابقة عن موافقتها المبدئية على تصدير 700 ألف رأس وإحالة الملف إلى اللجنة الاقتصادية فلم يكن لذلك أي أثر إيجابي على أرض الواقع لاسيما أسعار اللحوم الحمراء التي مازالت تسجل أرقاماً قياسية في الأسواق المحلية على الرغم من إغلاق باب التصدير في وجه مربي الثروة الحيوانية في سورية فكان هو المتضرر الأكبر من القرار.‏

إذاً هناك عمليات تهريب واسعة تشهدها الثروة الغنمية، ومع ذلك بقي السعر ثابتاً في السوق المحلية، ما يؤكد أن التصدير الرسمي لو تم بشكل مقونن ومتابع ستكون نتائجه أفضل.‏

خلل في السوق الداخلية

يرى بعض الاقتصاديين أن ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق يعود إلى السماح بتصدير الأغنام الأمر الذي يجعل العرض أقل من الطلب فيما أكد حماد السعود رئيس الاتحاد العام للفلاحين لشبكة عاجل: أن الحقيقة غير ذلك، فالتصدير توقف لفترة طويلة ومع ذلك فإن الأسعار لم تهبط ، لأن عمليات التهريب حلت محل التصدير ليخسر بذلك مربي الأغنام فارق السعر وهو الذي يلقى الويل شتاء وصيفاً في سبيل تربية أغنامه إضافة لأرتفاع أسعار الأعلاف، كما خسرت الدولة الرسوم والضرائب التي كانت تحصلها والعملة الصعبة التي كانت تحول لها ليكون المهرب وحده الرابح.

وإن كان ذلك لا يلغي وجود حالات تهريب كبيرة باتجاه الأسواق العراقية والتركية إلا أن الحكومات السابقة لم تنظر بعين الاعتبار إلى هذه الناحية بالقدر الذي اربكها موضوع التصدير وهنا يؤكد السعود لعاجل: نعم التهريب قائم ومن المعروف أنه حيثما يوجد فارق كبير في الأسعار يعمل المهربون والأسعار في الدول المجاورة أعلى بكثير من الأسعار في سورية ولهذا نطالب بالتصدير لكن الحكومة في المرحلة الأولى أوقفت التصدير ثم سمحت بتصدير مليون رأس وعلى مرحلتين، وفعلاً تم تصدير الدفعة الأولى ومقدارها نصف مليون رأس على أن تبحث اللجنة الخاصة بأمر التصدير الوضع لاحقاً، وقد انفرد وزير الاقتصاد دون اللجنة بالسماح بالتصدير بالنسبة للنصف الثاني فاحتجت اللجنة وأوقفت التصدير لبحث الوضع بشكل عام.

مبررات لاحيلة لها

قرار إلغاء تصدير الأغنام لم يستطع خفض أسعار اللحوم التي واصلت ارتفاعها مع تواصل شكوى المواطن وأمنياته بأن تستطيع الحكومة وضع صيغة ما لتكون أسعار اللحوم متناسبة مع أصحاب الدخل المحدود، فكانت المبررات جاهزة حول هذا الارتفاع أهمها التهريب ولعبة التجار وحركة السوق في العرض والطلب ألخ...

ففي الوقت الذي يؤكد فيه مصدر مطلع في اتحاد الفلاحين أن التصدير ليس سبباً كافياً لارتفاع الأسعار من حيث أن أعداد الأغنام المعدة للتصدير فائضة عن احتياجات السوق، فهناك  700 ألف رأس غنم فائض عن الاحتياجات المحلية، مضيفاً أن المشكلة ليست مرتبطة بالتصدير بل بتجار الأغنام الذين يسعون لتحقيق الربح عن طريق التهريب، إضافة إلى أزمة الأعلاف وانخفاض نسبة المخصصات للمربي ما جعله يلجأ إلى السوق السوداء، أما حالياً لم يعد هناك سوق للاعتماد عليها جزئياً، وقد يكون الحل لزيادة الثروة الحيوانية في استيراد بعض أنواع الحبوب وتغطية جزء من الحاجة عبر الذرة والشعير.

رقابة غائبة عن المسالخ

ذكرت دراسة أجرتها الهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار أن سبب ارتفاع أسعار لحوم الأغنام هو التهريب للعراق ومنه إلى السعودية، وأوضحت الدراسة التي شملت كل أنواع اللحوم أن مادة لحم الأغنام متوافرة ولا نقص في عرضها، مسجلةً وجود انخفاض في عدد الذبائح اليومية في المسلخ إلى ١٠٠٠ ذبيحة بعد أن كانت بحدود ٤٠٠٠ ذبيحة، ويعود هذا بحسب الدراسة إلى انتشار الذبح خارج المسلخ، وضعف القدرة الشرائية إلى ضعف استهلاك لحم الغنم.

كما سجلت الدراسة زيادة حالات الغش بشكل واضح في السوق نتيجة ارتفاع الأسعار وذلك عن طريق استحضار لحوم عجل (مبرد ومجمد) مهرب وكذلك فك تجميد لحم الجاموس وبيعها على أنها لحم عجل بلدي طازج.

حسابات الجفاف

توالي سنوات الجفاف على البادية وتحول المراعي إلى أراضي جرداء قاحلة لا يوجد بها إلا القليل من الأعشاب والأشواك، مادفع مربي الأغنام إلى شراء الأعلاف لتغذية أغنامهم، أو اضطراره لبيع جزء كبير من القطيع تقليلاً للخسارة، علماً أن أسواق اللحوم في المحافظات يخيم عليها الركود فهل يدعونا ذلك إلى دق ناقوس الخطر لمصير قطيع الأغنام

في آخر تعداد  للمواشي عام 2010 تبين أن عدد قطيع الأغنام 17 مليون رأس وليس 23 مليون رأس وهذا الرقم كان يحمل في طياته الكثير من عدم الحقيقة والكثير من المبالغة والسبب في تضخيمه هو الحصول على الأعلاف فكان يتم نقل القطيع من محافظة إلى أخرى عندما كانت تجري عمليات التعداد، أما بالنسبة للأعلاف فإن المؤسسة العامة للأعلاف لا تقدم سوى 15% من حاجة القطيع والباقي يؤمنه المربي من القطاع الخاص كما أن الحاجة الفعلية للأعلاف سنوياً تقدر بـ 14 مليون طن.

إذاً وقف التصدير غير قادر على خفض أسعار اللحوم الحمراء على الرغم من عدم فتح باب التصدير هذا العام، إلا أن الأسعار ارتفعت كثيراً مقارنة بالعام الماضي.

تشكيك ...

يرى مراقبون أن إعادة التصدير قد يعود بسوق اللحوم إلى وضع غير متوازن من جهة ارتفاع الأسعار، خاصة خلال الظروف الراهنة التي تمر بها سورية، وأنه من المتوقع أن يكون هناك أزمة نقص في المادة فضلاً عن استغلال أسعارها والتلاعب به من قبل التجار، وفي المقابل فإن سورية يمكن أن تستورد كميات إضافية من اللحوم المجمدة ولحوم الجواميس والبقر وغيرها لسد النقص.

وتبقى المفارقة أن هذا الملف بالذات يتكرر طرحه كل عام ليخلق آراء متعددة بين معارضة للتصدير وأخرى تشجعه، ولاسيما أن غرفة تجارة دمشق تصر على أن تصدير الأغنام يؤثر على الأسعار المحلية ويأتي ذلك ترافقاً مع المذكرة التي رفعتها الغرفة مؤخراً والتي تقول "أن أسعار السوق مرتفعة وتصدير الاغنام عقبة أمام ذلك، مؤكدة عدم قناعتها بوجود 700 ألف رأس كفائض من الأغنام.

إذاً فشلت كل القرارات في تحقيق معادلة التوازن بين العرض والطلب فيما يتعلق بوقف تصدير الأغنام ومعاودة فتح باب التصدير على مصراعيه وربما يعود ذلك إلى عدم وجود رؤية استراتيجية لتطوير قطاع الثروة الحيوانية بعيداً عن الشعارات والتنظير، فمؤسسة الأعلاف رغم عراقة دورها في تقديم المقننات العلفية يقتصر دورها فقط بتقديم هذه المقننات، وليس القيام بتأمين احتياجات الثروة الحيوانية كاملة ليبقى الطرف الخاسر هو المستهلك الذي يصارع ويكابد ارتفاع أسعار اللحوم، وهي المسألة التي يجب أن تعيها الحكومة جيداً على وقع ارتفاع التضخم وضعف القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود، وإلى متى سوف تبقى التسعيرة مغيّبة فالواقع ليس كما هو على الورق، وكل ما يتمناه المواطن تسعيرة حقيقية تكون الفصل بين الجهات المعنية والمستهلك.

والسؤال العريض هل سنشهد إجراءات حكومية رادعة لوقف عمليات تهريب الأغنام عبر الحدود والتي يطلقها أصحاب الشأن في كل مناسبة، وماذا لو فشلت في ذلك هل سنعود للنغمة القديمة " نصدّر.. أو لا نصدّر ؟


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]