حزام البؤس.. عائلات على الهيكل وطفولة زائفة تجوب الشوارع

مقالات متعلقة

حزام البؤس.. عائلات على الهيكل وطفولة زائفة تجوب الشوارع

رابط مختصر


المصدر: عاجل - إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
11 كانون الثاني ,2016  20:42 مساء






في طرفة عين، تحولت شوارع، ضمن مناطق محيطة بالعاصمة دمشق، بعضها ملحق تنظيميا بمحافظة دمشق وأخرى بالريف، إلى مساحات يتربع فيها البؤس كمختار للحارة، على أريكة الشقاء التي يبدو، أن لا مفر منها في المدى المنظور، وكل ذلك ضمن دائرة نسيان عريضة، حيث لا حملات إعلامية –كما هو الحال قبل أيام في مناطق أخرى- تتحدث عن بؤس البؤساء في تلك المناطق، ولا حتى مجرد جدل يمر على ذكر أؤلئك، لأن المتخمين لا يطئون هذه الشوارع المنسية خشية على أنفسهم من أشباح صنعوها وفقا لإشاعات، ركبت تلك المناطق من "ساسها لراسها" لأن "جسمها لبّيس" أصلا، ولا منظمات لها مصلحة في تعاطي شأنها، طالما أن ما من ورائها طائل في ابتزاز بلاد، تعاني الإرهاب والاستعصاء المعيشي حتى الاختناق.

حزام البؤس

بات حزام البؤس أكثر تغلغلا في المناطق السكنية لاسيما العشوائية، التي في الأساس، بنيت على هياكل "القلة"، ونشر الحزام بقاعه في إطار متناثر حول العاصمة دمشق، في مناطق حولتها الحرب قسرا، إلى خطوط تماس ونار لتنضم إلى المناطق الملتهبة.

وفي دف الشوك، وشوارع من جرمانا، والتضامن، وصحنايا وأشرفيتها والدخانية والسيدة زينب، كان لـ عاجل وقفات مطولة مع مصيبة "الغير" التي تجعل كل مصيبة دونها تهون، وبات التعارف على يافعين لم يبلغوا الرشد بعد، قد دخلوا في مضمار الحياة والمسؤوليات، وحتى في خضم الأعمال القاسية، إضافة إلى عوائل عانت التشرد بعد أن خسرت بيوتها، لتضطر أن تمد فراشها ليس على "قد رجليها" بل أقصر بكثير، حتى وصل بهم الحال إلى درجة استئجار بيوت على الهيكل، أي "ع العضم"، بالاشتراك مع عوائل أخرى أو بدون، وتعيش هناك..

طفولة زائفة

في بيت عادي في الدخانية المتاخمة للدويلعة بريف دمشق، ولد "وهيب" –وهو الاسم المستعار القريب إلى اسمه الحقيقي- لأنه لا يريد أن يعلن مأساته، ولولا "المونة" لما تحدث، ولد عام 1998، وشهد حينما بلغ نهاية المرحلة الابتدائية طلاق والديه، لينطلق في غمار الحياة التي أبرحت والدته بؤسا.

وهيب حاليا، يبدو كـ قبضاي و"أد حالو" كما يقول، كان يتمنى دراسة هندسة المعلوماتية لولا الظروف، وتعب والدته التي ما عادت تقوى على مجالسته وأخيه وأختيه، لأنها تعمل طوال النهار، فاضطر لأن يشرك دراسته بالعمل كـ صبي ميكانيكي عند جسر الكباس، وبقي في هذه المهنة لمدة سنة ونصف، قبل أن يتركها مع الدراسة بسبب المعاملة السيئة والضرب المبرح الذي كان يتلقاه على يد "معلم المصلحة" الذي لم يعلمه شيء، وفي نفس الوقت لم يأكل عليه معاشه، الذي كان يبلغ 300 ليرة.. أسبوعيا، لينتقل للعمل في معمل للحلويات في منطقة سيدي مقداد، فيما كانت تلك المناطق تلتهب أمنيا شيئا فشيئا.

لم يكن وهيب يطمع بتعلم المصلحة بقدر ما كان "طموحه" مبينا على الحصول على معاش يسد رمق أسرة "درويشة" من 5 أشخاص، وبالفعل، فقد حقق بعضا من "حلمه" حينما وصل إلى مرتب 1500 أسبوعيا، قبل أن تدمر أحداث الدخانية الأخيرة منزلهم، ويضطرون للجوء إلى السيدة زينب، بعد أن أغلقت بوجههم كل الأبواب.

أنا أدخن.. إذا أنا موجود

يقول وهيب إنه تعلم الدخان في المدرسة خلال الصف السابع، بعدما انتقل من مدرسة الدخانية إلى مدرسة جميل صليبا في باب شرقي، زاعما أنه

يحاول أن "ينسى الأسى اللي ما بينتسى"، وساعد في ذلك عدم وجود اهتمام أو رقيب، كما أنه شيء ما –أي الدخان- يرافقه في جميع الأوقات.

يسحب وهيب سيكارة ويشعلها، قبل أن يبدأ بالإجابة على سيل أسئلة سريعة، لتأتي إجاباته مع الدخان كالآتي:

* ما رح ارجع ع المدرسة، مين بدو يصرف ع البيت وهالموضوع انتهى، بعدين أهلي بيجوعوا.

* بحلم تزبط حياتي مع أهلي، أمي ترتاح شوي، ما بعرف كيف.

* ما بدي سافر من سورية، هون تربيت، ليش الهجرة.

* أنا بشوف حالي ذئب، بس ما عندي سند، وما حدا سأل فينا.

* لا.. ما بحياتي زرت الشعلان، ولا المالكي، ولا المزة، ما إلنا حدا هونيك، شو بدي روح اعمل.

* كنت شاطر بالمدرسة اي، بس هلأ ما كتير بعرف اقرا واكتب لأني نسيت.

الموس الكباس

يعترف وهيب بأنه في مراحل معينة، حمل "الموس الكباس" كي لا "تأكله ذئاب المجتمع القاسي"، وأيضا، فهو لا يحب المشاكل، في مجتمعه الذي يصفه بالـدرويش، والمنسي من جميع الجهات كما ستثبت وقائع لاحقة، لأن أمه مو ناقصها هموم، والأهم التركيز على تأمين لقمة خبز يومية، في أمكنة يترك للكبار والوجهاء و"الزكردية" حل المشاكل من تلك النوع، فيما يغيب القانون وأجهزته بشكل ما، حتى ما قبل الأزمة.

وفيما لا يزال وهيب، لا يعلم سبب "تعتيره"، يجد الراحة في الاختلاء بنفسه، يبكي وهيب القبضاي حينما يشرح ذلك لـ عاجل، لأن القهر مر ومالح كطعم الدمع هكذا يقول، ثم يشيح بوجهه ويقول أنه يتمنى الموت شهيدا، ولا يخاف من الموت، لولا قلب والدته، أكثر إنسان أحبه في حياته.

وفي العموم، لا يرى وهيب سعادته إلا في العمل المضني، لأن "كل شي إلا دمعة أمه" التي قد يبكيها الفقر، ولسبب ضرورات العمل يغيب طويلا، ولا يكلم أمه يوميا كي لا تقلق.

وبينا لا يملك أي حلم حاليا، يثق وهيب أن رب العالمين لن يتركهم، مقرا بجهله عن أية هيئات أو جهات الحكومية وغيرها التي يمكن أن تساعده لأن الرجاء مقطوع كما هو ثابت بالتجربة.

الدراسة وبسطة السميد معا

مصطفى لا يبدو أحسن حالا من وهيب، فقد توفي والده مبكرا، لتجد والدته نفسها أمام دهاليز الحياة المادية التي ترميهم من قاع إلى قاع، لكن المميز في القصة هذه، أن منزلهم لا يزال قائما، في دف الشوك.

وصل مصطفى، أو صطيف إلى الصف الثامن قبل أن يترك الدراسة عام 2013، وإلى جانب الدراسة، كان صطيف يستعين على الحياة بـ"بسطية سميد والسكر"، يجعل من غلتها بحصة لا تسند الجرة حتى، فبعد أن يعود من المدرسة، يحمل صينية السميد التي تكون والدته قد اعدتها له، وينزل إلى الحارة حيث يفترش الرصيف ويبعها كقطع.

كانت غلة السميد والسكر يوميا نحو 75 ليرة، فيما كان يعمل صطيف صيفا ببيع البوظة المصنوعة يدويا والمغلفة بأكياس، ليهبط مستواه الدراسي بسبب العمل.

عتال الـ 14 سنة

بدأ صطيف بعد ذلك العمل لدى مغسل سيارات في دف الشوك، لأن الـ 75 ليرة يوميا لم تعد تكفي إعالة أسرة، وهناك عمل منذ الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا، الأمر الذي جعل من المدرسة حملا ثقيلا للغاية إن لم يكن مستحيلا.

وبمرتب 300 ليرة أسبوعيا، و150 ليرة يوميا وبلا عطل، كان صطيف يقضي يومه في مغسل السيارات، ضمن ظروف قاهرة لم

تخلو من القسوة، لكن صطيف كان مضطرا لهذا العمل لأنه جرب ميكانيك السيارات، حيث استعمله "معلم المصلحة" لخدمة منزله والتنظيف، ومحاولة تعلم الحلاقة الرجالية حيث تعرض للضرب هناك.

بعد ذلك انتقل صطيف لتجربة حظه في سوق الهال كـ عتال يبلغ من العمر 14 عاما، لكن المردود كان ضئيلا للغاية لأنه يعتمد على البقشيش، فعاد للمغسل، قبل أن يبدأ العمل لدى محل للتنويرات الكهربائية بمرتب 2500 ليرة أسبوعيا.

لم يستمر طالع صطيف "السعيد" بالـ 10000 ليرة شهريا طويلا، لأن محل الكهربائيات قد أغلق، فيما اعتبر صاحب مغسل السيارات صطيف "خائنا"، ليعود إلى بيع البوظة بالكيس، والسميد بسكر.

ما عاد فرقت معي

صطيف ما عاد مباليا بالحياة، المهم هو إعالة عائلته خصوصا بعد ان ازداد وزن المسؤولية، حينما أصبح يعيل أخته وابنتها، لأن زوجها التحق بالخدمة الإلزامية، وبات لزاما على صطيف إطعام هاتين، بالإضافة إلى أمه التي انهكتها ظروف المعيشة، وأخته الأخرى.

لكن صطيف لم تدمع عيناه كما وهيب، وبدأ بتدخين سيكارته بشكل طبيعي، يدخن كي ينسى هو أيضا، ويقضي وقته في عمل بعيد عن أسرته، بمرتب 25000 ليرة، وهو ما لم يكن يحلم به سابقا، وإن كان لا يعلم متى وكيف سيعود.

نسي صطيف الآن، والذي كان يحلم بأن يكبر كطيار، هواية السباحة التي كانت تعينه في تحقيقها إحدى الجمعيات الخيرية، وحاليا بات مسؤول الأسرة الأول، نافيا أن يكون لديه أية هوايات لأن الوضع لا يحتمل.

اليونيسيف واليونسكو

لم يعرف وهيب ما تعني كل من منظمتي اليونيسيف واليونسكو، فيما صطيف صمت قليلا قبل أن يجيب بأنها "أليست تلك التي تقدم كل شهرين مؤونة غذائية وحرامات".

كما لم يعرفا، فيما لو كانت وزارة الشؤون الاجتماعية تختص بشؤونهما، لأنه في الأساس وكما أفادا، لا أحدا من قبل تلك الجهة الحكومية وصل إلي أسرتيهما حتى الآن، كما أنهما لا يعتبران أن السؤال "محرز" عن طرق لحل مشاكلهما في التربية والتعليم، ولا المعيشة.

عائلات على الهيكل

شأن آخر يبدو في حزام البؤس، حينما عثرت عاجل في صحنايا وجرمانا، على عائلات استأجرت بيوتا على الهيكل "ع العضم"، للتآوي فيها.

وطالما أن المنطقتين تعتبران مكانا للعمران الجديد، فبعض كتل البناء لم تستكمل بعد لسبب الظروف، وغلاء تكاليف الإكساء، ومع غلاء كلفة آجار البيوت التي بلغت مستويات نارية مقارنة بالأجور، لم يكن أمام الكثير من العائلات سوى استئجار بيوت "ع العضم"، بأجور تتراوح بين 8000 إلى 15000 في صحنايا، كما يجري في مارينا بالأشرفية وكتل خلف البنك العربي، وكذلك في جرمانا في كرم الصمادي ومزارع الروضة، وبعض من كتل حي الجناين، لكن هناك الأسعار تبدأ من 15000 ليرة، كما يفيد أبو وليد وهو صاحب احد المكاتب العقارية في منطقة البلدية بجرمانا.

وبحسب أبو وليد، فإن عائلة أو اثنتين تجتمعان على استئجار شقة على الهيكل، وتقوم هي بتحضيرها من جهة الأعمال الصحية والكهربائية، حيث يتم استجرار خط كهرباء من الشارع، أما خطوط "الصحية" فيكتفى هناك بـ "السواد"، أي الأنابيت التي تكون تحت "الطينة" وغير بارزة في البيوت المكسية، وكل ذلك على حساب المستأجر.

ويقول أبو وليد، إن عقد الآجار يجري توقيعه لمدة 6 أشهر على الأغلب، ويؤيد في البلدية بكامل الإجراءات النظامية، لأن عقود الإجراء لا تشترط أن يكون البيت مفرزا في الأساس، ويكفي في عقده فاتورة الماء والكهرباء.

بيت أبو حسام

استأجرت عائلة أبو حسام منزلا "ع العضم" في إحدى بنايات حي مزارع الروضة في جرمانا، بمبلغ 15000 ليرة شهريا، وتكلف أيضا مد الأنابيب الصحية والكهرباء.

يرفض أبو حسام كثيرا الحديث، رغم الودية التي أظهرها، ويرفض تصوير المنزل شارحا أنه قام بإغلاق النوافذ بالجيلاتين اللاصق، واستخدم بابا قديما مع حرام للتغطية، لإغلاق المنزل، فيما ثبت مساميرا لتعليق أغراض المطبخ، وبقي الفرشات العادية والمد العربي ونحو ثلاث حصائر ليستعان بها للجلوس والنوم.

"عمرو الشقي بقي"

تبقى مشكلات المناطق من هذا النوع، كثيرة، وولّادة، بمعنى انها تتجدد وتتكاثر، في بيئة لا حلول فيها من جانب واحد، هم البؤساء الذين يصارعون الحياة دون نصير، لتكون تلك المناطق، منابع انتاج أطفال يدخلون سوق العمل، وأطفال مشردين على إشارات المرور وبالقرب من حواجز التفتيش لاغتنام فرصة وقوف السيارات لطلب الحاجة من راكبيها، وعائلات افترشت العراء أو ما يشبهه بغية الحصول على مكان واحد تعود إليه أو تجتمع فيه، وآخرون، قد يلجأون إلى شتى أنواع الحرام، لسد الرمق، ليتكون ويتعملق بصمت.. حزام البؤس.


الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]