عن بسالة المجتمع السوري... نتحدث

عن بسالة المجتمع السوري... نتحدث

رابط مختصر


المصدر: عاجل – إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
29 نيسان ,2015  13:54 مساء






بلا مقدمات، وبدون تعابير إنشائية، فإن المجتمع السوري في ظروف قاهرة سجل حضورا للنطاقات التي تتوسط بينه وبين الحياة لناحية عدم ضياع الطبقة المتوسطة رغم الضغط الاقتصادي الثقيل ومجالات حضور الثقافة والصناعة، فيما بدا أن قطاع البيئة واحد من القطاعات المهملة في زحمة الظروف، بينما خف مقدار التنوع في القطاع التعليمي.

ضد الزوال..

بالرغم من رزمة الأعباء الاقتصادية التي عرفها المجتمع المحلي خلال سنين الأزمة، إلا أن الطبقة المتوسطة بقيت عصية على الزوال حتى وإن كان حضورها شبه الدائم مثقلا بالهموم المعيشية والمادية.

وتشير الدراسات إلى أن هذه الطبقة في سورية هي الرافد الأساس منذ جلاء الاحتلال الفرنسي، لمجالات السياسة والثقافة والفنون والآداب واللاعب الرئيسي في تلك المضمارات، في مختلف الأوقات التي كانت هذه الطبقة ذاتها في مختلف المجتمعات أول المتضررين من الأزمات التي تقع على مستوى الأمة، كما جرى في أوروبا بعد عصر النهضة حينما تشققت الطبقة المتوسطة لصالح البرجوازية آنذاك.

وفي زمن الحرب على سورية لم تفلح الأزمة بتغييب هذه الطبقة بالرغم من أنها تبقى رافدا لمجتمع سوق العمل من جانب، ومن جوانب أخرى استمرت برفد المجالات التي كانت ترفدها من قبل، حتى إن الانحدار نحو الفقر كعنوان هو مثار اهتمام للبحوث الاجتماعية الاقتصادية لا يعد ظاهرة، بل إن الظاهرة في هذا السياق هي كم الهموم المعيشية التي تواجهها هذه الطبقة وتحاول إيجاد حلول لها بالتناسب مع الواقع الاقتصادي الذي لا يمكن إنكار أنه في حال مريرة.

وبانتخاب عينات بسيطة من المجتمع يدلل على بقاء الطبقة المتوسطة الجانب الاستهلاكي الذي يجنح إليه أفراد الطبقة، والذي ما زالت فيه عدة من الأسواق التي تعتبر في خانة الرفاهية، وخانات التكنولوجيا التي تختلف في الإقبال عليها بين سوق الموبايلات إلى سوق التجهيزات المنزلية، جاذبا لأولئك الأفراد، فيما تمثل بنود الترويح نسبة 0.98% من مقدار التضخم العام، ما يؤدي للتأكد من الحضور لبعض عوامل قوة القدرة المعيشية لهذه الطبقة.

الثقافة تستعيد وعيها

جملة الفنون والآداب تعرضت لهزات عنيفة منذ بداية الحرب على سورية، لكن ما لبث هذا القطاع أن عاد لمحاولات استعادة الوعي، متكئا على عدد من المجالات الثقافية التي كاد أن يطويها النسيان بسبب تسارع التقدم في مجالات أخرى لاسيما الدراما قبل الأزمة.

وحقا فإن المسرح القطاع الثقافي المظلوم كما يعتقد بشدة رواده وصانعيه، كان أول العائدين إلى الساحة حتى بات المهتم أمام جدول صحيح أنه ليس غنيا بالشكل الذي يشتهيه من يعتقد بظلم هذا القطاع، إلا أنه حقق نموا لجهة طبيعة الأعمال التي تنازلت عن قضايا المجتمع السوري وتحديدا خلال الأزمة الأمر الذي ساعد في ترويج هذا القطاع.

أما الدراما التي كثيرا ما يتردد أنها باتت تحت وطأة ابتزاز غير مسبوق بسبب الأوضاع التي تمر بها البلاد مع محاولات تصديرها من جهة المواقع والكوادر والإنتاج والأفكار إلى الخارج فإنها جددت نفسها واستطاعت التوازي مع الواقع من خلال تمثيله في عدة قوالب، لنواحي التراجيديا والكوميديا، ظهرت بأعمال عدة حظيت باهتمام عالٍ من قبل الجمهور، ولم تخسر مكانتها بل حافظت على "الكلمة الفصل" التي تستطيع الدراما السورية قولها في عالم الإنتاج الفني على مستوى المنطقة.

أما السينما فلا زالت تسبح ضد التيار عبر نتاجات متوالية لكنها موسمية، بمعنى أن النتاج لا يتم إلا قدر المستطاع، وهذه المشكلة تعانيها السينما السورية فيما قبل الأزمة وبموازاة ذلك انقطعت أخبار النتاجات السينمائية العالمية كما كان معهودا قبل الأزمة عن دور السينما التي خفتت أضواءها، ولا زالت عالقة في موسم خريف الإقبال عليها، لأن التلفزيون والقنوات المختصة بالعروض السينمائية استأثرت بشكل مطلق بجمهور السينما بسبب الظروف.

على الصعيد الفكري تعود الذاكرة إلى أيام كانت البلاد مقصدا لعقد المحافل الفكرية، وبسبب الحرب على سورية بدت صالونات تلك المحافل خالية، واستبدلت أماكنها إلى المقاهي واقتصرت على المحليين الذين يصرفون جل تناولاتهم على مواضيع تخص الأزمة.

وهذه المشكلة وإن كانت حلولها مؤجلة إلى ذلك الحين الذي تنجلي فيه غيمة الحصار عن البلاد، وتهوي فيه الحرب الإعلامية إلى مستويات هي أدنى مما هي عليه حاليا، حيث يجري الترويج وكأن الخراب في كل مكان إلا أن تلك المشكلة تعتبر غاية في الأهمية نظرا للمكانة السورية في هذا النطاق، ومن غير الممكن اقتصار حضور النتاج الفكري غير المحلي وحتى المحلي على الوسائل الإعلامية، لأن مكان الوسائل الإعلامية عرضة لمنافسة شرسة من قبل مواد أخرى أكثر تبسيطا وسهولة بالنسبة للمتلقي.

كما يجب الأخذ بعين الاعتبار تدني منسوب حضور المكتبات في الحياة الثقافية كما كان في السابق، والتي حققت وجودا معتبرا لكن اللافت بقاء "مكتبات الشارع" حاضرة مع الكتب التي كانت تمثل الأجزاء المكونة لدائرة اهتمامات الحياة الثقافية السورية وهو ما ستفرد له لاحقا شبكة عاجل الإخبارية تحقيقات تفصيلية لمعالجة قضايا الثقافة والآداب وفنونها، بالاستعانة بمختصين وعاملين في تلك المجالات لتقييم الوضع عن قرب أكثر.

التعليم.. ولكن

عرفت الحياة التعليمية نهوضا قويا في سورية قبل الأزمة، لكن في الوقت الحالي فإن السمة الأساس لهذا الجانب هو الاكتفاء بالضرورات الأولية كالتعليم الإلزامي أو الأساسي والتعليم الجامعي.

ضمور ألوان التعليم جاء في مجال اللغات من جانب، حينما كان هذا منتعشا لدرجة عالية من خلال المعاهد المختصة التي كان روادها يتحينون الفرص لحجز مقاعدهم هناك، كما تؤكد وثائق التسجيل لتلك الفترة أما في الوقت الحالي فإن الكساد ألقى بأحماله في هذه البقعة، وهو ما قوبل بزيادة عدد اللغات المقررة في التدريس، لكن الأمر يبقى مقتصرا على المدارس والعمليات التعليمية الرسمية وعلى المختصين ولم يعد من ضمن أولوية الاهتمامات بل انتقل إلى خانة "إذا كان من الممكن".

الجريمة

بالرغم من تسلل الفوضى ومع تراجع سورية على قائمة تصنيفات البلدان الأكثر أمنا في العالم، إلا أن ذلك مرده هو الإرهاب الذي تعانيه البلاد وليس الجريمة، هذا البند الذي يعالجه علم الاجتماع بمزيد من الاهتمام لدى تقييم المجتمعات.

وكما هو معلوم فإن الجريمة بالرغم من كل ما حل بسورية ليست ظاهرة مفزعة، بل إن الإرهاب هو الهاجس الأمني الأوحد لدى المحليين والمهم في هذا السياق ما تؤكده مصادر خاصة لـعاجل، فإن ما يتم معالجته في هذا المضمار هو حوادث وجنايات تعتبر معروفة في ذلك الوسط.

أما الجريمة فإنها لم تستطع رفع صوتها كظاهرة دون أن يخلو هذا الأمر من حوادث استثنائية في مقدمها الخطف والذي اقتصر في حالات الفوضى التي عرفتها المناطق غير الآمنة.

ولا بد من ملاحظة أن النشرات الشرطية ما زالت صادرة وبشكل منتظم كل 15 يوما وتورد أسماء المطلوبين لجنايات لا ترتفع إلى مستوى جرائم المجتمع، مع ما تحتويه من مذكرات القبض وإلقاء القبض وهذه تختص بالجنايات الاقتصادية التي يأتي على رأسها ملاحقة مروجي العملات الأجنبية المزورة، والتعامل بالعملة الصعبة بشكل غير شرعي، إضافة إلى ملفات الأحوال الشخصية، والضبوط بخصوص المخالفات التجارية، وهذه وغيرها تعتبر الرئيسيات في سلة النشرات الشرطية ما يعني بعيدا عن تلك الجنايات أن عالم الجريمة المنظم ما زال بعيدا عن التأسيس لحضوره في المجتمع.

وهذا كله يعني أنه في حال فتور الإرهاب فإن عودة البلاد إلى تصنيفها الشهير على القائمة الآمنة هو أمر لا مناص منه.

أخيرا...

ثمة بنود أكثر في دراسة وسبر طبيعة المجتمع ومنها ما سبق إيراده في مادة سابقة لـعاجل نشرت في التحقيقات.

ومن تلك البنود المؤسسات والبنى التي ما زالت قيد العمل كما هو معروف، والتنشئة الاجتماعية التي تحتاج لموضوع منفرد والعائلة والطوائف والأعراق والسكان والمعرفة والقانون وهذا جميعه من لواحق العناوين الرئيسة لدراسة المجتمع والتي طبعا لا تنفصل عنه.

لكن بالمجمل فإن ما ورد آنفا يعتبر دليلا على بسالة المجتمع السوري، وقدرته على التأقلم وفق معايير أكاديمية متفق عليها في كليات علم الاجتماع، مع التنويه بأن هذا لا يعني أبدا أن المجتمع المحلي لا يعاني من مشكلات والتهابات في العديد من نواحيه بسبب الحرب.

 

 


الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]