قلوب الشباب «ناشفة».. صدمة مجتمع رفع وتيرة «فنون السعادة»

قلوب الشباب «ناشفة».. صدمة مجتمع رفع وتيرة «فنون السعادة»

رابط مختصر


المصدر: عاجل – إبراهيم حريب
القسم: تحقيقات
27 نيسان ,2015  13:54 مساء






 

إذا كان الاختباء وراء الإصبع ممكنا فيمكن القول أن حياة المجتمع المحلي طبيعية دون آلام، فالمجتمع المحلي الذي تغيرت أحواله بسبب الاختلاط بأجواء الحرب والأزمة التي تمر بها البلاد باتت ملامحه أقرب لكآبة لم يكن يعرفها بل لم يكن ليستغربها في حال التقى بها عبر مواد إعلامية تنقل واقع مجتمعات أخرى لتظهر ضمن صوته "بحة" واضحة إذا بدأ الحديث عن الواقع بسبب التعب من هذا الأخير.

ولمعاينة صورة للمجتمع قبل وبعد الأزمة ينبغي تلمس الخطوط النافرة لمواضيع الاكتئاب كحالة اجتماعية وليست فردية وأوضاع الطبقات لاسيما الطبقة المتوسطة والتعليم والثقافة والتجانس بين مكونات المجتمع.

وعلى هذا الأساس يمكن تقييم "صحة" المجتمع إذا ما كانت سليمة أم أن أمراضا باتت تدخل في تفاصيل حياته أو أن الأمر لا يتجاوز مستوى "الوعكات" التي يجب معها أخذ الحذر لئلا يتعرض الجسد الاجتماعي لانتكاسة في صحته.

التجانس الاجتماعي.. معافى

يبدو العنوان الأبرز في أي مادة بحثية حول المجتمع هو التجانس بين أطياف ومكونات المجتمع تحديدا، وإن هذا العنوان كان العرضة الأولى للاستهداف من قبل دول أجنبية وإقليمية منذ ساعة الصفر لبدء الحرب على سورية.

وحينما كان هذا الموضوع الأخطر على الإطلاق لسبب الكثافة في المادة الإعلامية الموجهة لاستهدافه فإنه في نفس الوقت فشل كهدف يسعى عرّابو الحرب على سورية في تحقيقه وهذا الكلام بإقرار من جهات دولية رفيعة كما جاء على لسان رمزي رمزي نائب مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستافان دي ميستورا حينما أعلن في 09/12/2014 أن (حالة الانسجام بين مكونات المجتمع السوري تشكل نموذجا للعالم لأن سورية نموذج للتعدد والتعايش وهي فرصة لا ينبغي تفويتها بوصفها مفتاح الاستقرار للمنطقة ككل).

وبقياس حجم أرشيف المادة الإعلامية التي كان شغلها الشاغل ولا زال استهداف التجانس الاجتماعي في سورية والواقع الحالي بعد سنين الأزمة إضافة إلى "الشهادة" السابقة يمكن التأكيد على أن حالة التجانس الاجتماعي محليا تحظى بمناعة عالية أفشلت جميع "الفيروسات" التي كانت تسعى لنقل عدوى على درجة كبيرة من الخطورة وهي الخطوة الأولى إلى التقسيم الذي يعتبر بمثابة "الخطة ب" في حال فشل السيطرة على سورية من قبل عرابي الحرب عليها.

وبالفعل وبالملامسة الاجتماعية فإن ما يزيد في تأكيد عافية التجانس هو واقع الحياة الاجتماعية التي لازالت تحظى بتنوعها الفريد من ناحية المجتمعات السورية، سواء أكانت مدنية حضرية أم ريفية وحتى بدوية بالنسبة للتصنيف الاجتماعي أو بالنسبة للتصنيف الاقتصادي من حيث مكونات اليد العاملة في الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها.

قلوب «ناشفة»

وبعيدا عن الاجتماع السياسي يأتي وقت التجول في شوارع المجتمع من الداخل وجس نبض كواليسه وهناك بات القول بأن (الأزمة ساهمت بتقدم العمر بالسوريين كثيرا) بمثابة قاسم مشترك لاسيما بين فئة الشباب التي تواجه حالة من الاكتئاب ونوع من الشعور باليأس الاقتصادي بسبب الأوضاع.

في هذا السياق يقول عبادة ا. إن نظرته إلى المستقبل لا تحوي أي "نواصة" أمل من الناحية الاقتصادية بسبب الضغوط التي تركتها الأزمة على هذا القطاع ويعتقد عبادة أيضا أن الأزمة ستنتهي بلا شك لكن ليس في وقت قصير حتما وهذه القناعة ربما تعكس جزءا من الحالة النفسية التي تشوبها أنواع من الكآبة وتعانيها فئة الشباب.

في جانب متصل، يؤكد علاء ب. أن كثيرا من "الطموحات" لدى الشباب فقدت بهجتها حتى لو تم تخيل الاقتراب من تحقيقها بسبب تراكم الضغوط فعلى سبيل المثال لو تم التخيل بأن شاب ما من الطبقة المتوسطة يقترب من شراء سيارة الأمر الذي كان يمثل واحدا من أولويات طموحات الشباب ما قبل الأزمة فإن هذا الأمر لا يدفع للبهجة كما في السابق ولا يحظى بأي نوع من الحماسة، لأنه عند التفكير في هذا الأمر ستتجه "سيول" من أفكار أخرى لجهة تأمين مصاريف الوقود والنقل وما إلى ذلك وهو أمر لم يكن "يعتل همه" في الزمن الماضي.

أما لجهة الحصول على منزل فإن الطموح إلى هذا الهدف هو أمر مفروغ من إمكانية تحقيقه، وربما يكون "شبه مستحيل" ويجمع عبادة وعلاء على أن الأسباب تعود للضغوط الاقتصادية التي صار وزنها "يكسر الظهر".

المراسم الاجتماعية.. هات إيدك والحقني

حتى المآتم في المجتمع أصبحت تقام باختزال متباين وذلك ليس لتخوفات أمنية لحقت بهذا النوع من المراسم الاجتماعية كما الكثير من العادات التي خففت بسبب الخوف من الإرهاب بل بسبب "مزاج" خارج عن المألوف يرى في الاختزال ضرورة لتفهم أوضاع الناس الذين من المفترض أنهم سيشاركون بمثل هذه المناسبات.

فتم اختصار الفترات الزمنية التي كانت تقام عليها مثل تلك المناسبات لناحيتي الوقت والأيام لأن "الظروف غير طبيعية والحال لا تسمح" كما يقول معظم الأشخاص، لكن دون أن تلغى الطقوس وفي هذا الأمر ناحية إيجابية إذ ما زالت "تشاركية الحزن" حالة اجتماعية واضحة.

هذا الاختزال لحق أيضا بالأفراح والتي كانت عادة ما تقام في الأعراس ومناسبات الخطبة وغيرها، لكن سبب الاختزال هنا هو احترام مشاعر الآخرين تحديدا من العائلات التي قدمت شهداء وضحايا بسبب الإرهاب لذلك تقام مثل هذه المناسبات "ع السكيتي" أي بشكل يشبه الصمت إلى حد ما.

ولذلك فإن أي مناسبة أفراح تخرج عن الصمت يمكن أن تتحول إلى ظاهرة حقا من خلال تناقل صورها على مواقع التواصل الاجتماعي لتعيد اللون إلى وجه المجتمع.

أما الأعياد الموسمية والسنوية بالنسبة للمسلمين والمسيحيين فهي الأخرى لم تعد كما السابق بل تكاد تمر كمناسبات عابرة من دون تلك الطقوس الاحتفالية التي كان يعرفها المجتمع المحلي سابقا لعدة أسباب، أولها الألم الذي تعانيه البلاد بسبب الإرهاب والواقع الاقتصادي الذي يمثل عنصرا رئيسيا في هذا الأمر بعد أن تحولت الأسواق إلى مكان لبيع الضرورات وحسب.

لكن ثمة عادة سورية شهيرة لم تستطع الأوضاع إخفاءها ولا حتى تأجيلها وتضيف دماء جديدة إلى شرايين الحياة في المجتمع وهي "السيران" الذي يقوم به السوريون وبشكل كثيف في المواسم الدافئة أي في الربيع والصيف، في إشارة إلى أن السياحة الداخلية ما زالت على قيد الحياة وبشكل قوي برغم جميع المنغصات.

صدمة.. ولا اكتئاب

هل يعاني المجتمع السوري من الاكتئاب؟ تؤكد إلهام العطار الصحافية المختصة في الشؤون الاجتماعية أنه لا يمكن القول بهذا الأمر فلا اكتئاب عاما في المجتمع السوري فمن خلال رصد الحالات الاجتماعية أثبت المجتمع تماسكا يعود للبناء السليم خصوصا بعد التأقلم مع الظروف.

وتضيف العطار أن المجتمع المحلي تعرض لظروف قاسية أدت لصدمة استفاق منها فيما بعد دون يتعرض للاكتئاب الذي يعتبر مرضا خطيرا يطول علاجه.

أما عن طقوس الأفراح والأتراح فترى العطار أن مراسمها لم تلغى ولم تتغير بشكل تام بل أن الحزن زاد دون أن يستطيع إلغاء تلك الطقوس الاجتماعية أما الاختصار فيأتي تبعا للظروف حتى أنه يجري تسجيل حالات اجتماعية عن التكافل بخصوص الحزن ليصبح حالة تشاركية لجميع سكان منطقة معينة.

وتستشهد العطار بعدد الزيجات والولادات المسجلة في سورية للتدليل على أن الحياة ما زالت زاخرة في المجتمع المحلي، وتقول إن من يدخل في عمق المجتمع السوري يرى أنه بات خبيرا في صناعة ظروف السعادة.

اعتياد الموت

أيضا تنفي العطار أن المجتمع المحلي اعتاد الموت والفراق وتؤكد أنه سواء أكان المجتمع في حالة رفاهية أم في أزمة فالموت يبقى حالة إنسانية وفاجعة كبرى لا بد من الوقوف عندها، لذلك فإن المزاعم بأن "الموت في سورية أصبح مجرد رقم" هي أقاويل واهية وتدحضها حالات التضامن الاجتماعي بهذا الخصوص.

وتضيف أن المجتمع صار في هذا السياق أكثر تعايشا ففي كل حارة من المدن السورية هناك خليط سكاني متنوع والجميع في هذه البقعة الاجتماعية يتشارك الحزن عند ورود حالة ما وهي الظاهرة الاجتماعية الوحيدة التي لم تتغير مراسمها أو طقوسها ما يعني أن اعتياد الموت ليس من سمات المجتمع المحلي أما الزواج فهو الذي اختلفت طقوسه.

وتخلص العطار إلى أن المجتمع ما زال رافضا لثقافة الموت وقبول الفراق بشكل يسير لاسيما بعد استفاقته من الصدمة التي لم تطول في سيطرتها على نفسية المجتمع حتى أن الخوف من الموت غير وارد بحسب العطار وهذا ما لا يجب خلطه مع اعتياد الموت.

فنون السعادة

حفرت فنون السعادة تحت أنقاض الظروف القاسية حتى وصلت إلى الضوء، ما يزيد في تأكيد أن المجتمع ليس كئيبا.

ويبدو ذلك من الواقع الذي ما زال مزدحما بالكثير من المناسبات الثقافية والفنية وطلعات الترويح عن النفس، إضافة إلى عنصر هام وهو التهكم على الواقع كما بات شائعا، وأصبح مسرحه الأول مواقع التواصل الاجتماعي يأتي ذلك في الوقت الذي أريد لهذا المجتمع أن يخضع لبوادر الاكتئاب العام والجفاف الاجتماعي.

كما تزيد العلاقات الاجتماعية وظروف العمل في عوامل الحياة في المجتم، وهو ما بدا واضحا من عدم توقف عجلة الحياة في أدق الظروف الصعبة، والسخرية بشكل لاذع التي أصبحت عادة خصوصا حينما تشتد التهديدات الإرهابية وترفع سقفها.

جرح غير قاتل

من الطبيعي ألا يكون المجتمع المحلي على طبيعته بعد كم الظروف القاسية التي تراكمت على صدره لكن الغاية فعلا هي تشخيص الجرح الاجتماعي لعلاجه، الذي من الواضح أنه غير قاتل طالما أن التجانس معافى وتشاركية المآسي على حالها.

وهذا ما يعني أن الجرح الاجتماعي أصاب طقوس الأفراح والطموحات دون أن يضع حدا لرغبة الحياة ولكن في جميع الأحوال فهناك جرح ينبغي علاجه خصوصا وأن الشائع هو "انتظار الفرج"، أي أن الأمل قائم في جسد مصدوم بواقع لم يكن منتظرا على الإطلاق بل أن الضمير الجمعي ما زال في حالة استغراب واضحة عن الذي "جرى وصار".

 


الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]