«نكبة حلب» وهيكل اقتصاد أنقرة.. نهضة صناعة تركيا بعد «ترانسفير» الصناعة السورية

«نكبة حلب» وهيكل اقتصاد أنقرة.. نهضة صناعة تركيا بعد «ترانسفير» الصناعة السورية

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ابراهيم حريب
القسم: تحقيقات
03 آذار ,2015  13:45 مساء






فيما مضى، أيام "الزمن الجميل" للصناعة السورية، كان دخول المستوردات التركية إلى "حلبة" السوق المحلية، والمنافسة على اجتذاب المستهلك، ليس سببا لتعكير مزاج الصناعة وحسب، بل فاعلا رئيسيا في تجميد الجناح الثاني للاقتصاد المحلي بعد الزراعة، وتحويل الكثير من المنشآت الصناعية، المتوسطة تحديدا، إلى حال مقاتلة "ذباب وجه" الكساد. في ذلك الوقت، ارتفعت أصوات للمطالبة بسد "باب الريح" القادم من جانب دخول البضائع التركية، التي عرفت آنذاك بقلة الجودة عن مثيلتها المحلية، والسعر المنافس، لكن الأصوات تلك، لم تجد مجيبا من الحكومة السابقة، فما كان للصناعة، وبالذات صناعة المفروشات، إلا الوقوف على أطلال القدرة على الرواج في السوق المحلية.

الأزمة والمستورد التركي

 كان لموقف الحكومة التركية من الأحداث الجارية في البلاد منذ 2011، دور كبير في نفور المستهلكين السوريين من البضاعة التركية، وفيما بعد، فرض على البلاد، كما هو معلوم، حصار اقتصادي من جانب دول عربية وأجنبية، أفضى إلى منع إيراد السلع الرئيسية والضرورية والثانوية إلى سورية، وبالفعل، قامت عدد من الدول بقطع طرق التجارة بينها وبين سورية، ما انعكس سلبا لاسيما لناحية ارتفاع السعر بعد افتقاد عدد من البضائع. لكن البضائع التركية، التي استمر بعض المستهلكين بشرائها، على مضض وكراهة من جهة، ومن جهة ثانية فإن آخرين لم يجدوا مشكلة في شراء هذه السلع، بقيت على حالها في التدفق إلى الأسواق السورية، بالرغم من أن موقف حكومة إردوغان آنذاك، كان يعلن رسميا مقاطعة التجارة السورية، على صعيدي الاستيراد والتصدير، إضافة إلى قرار وزارة الاقتصاد في 25 أيلول 2011، بإغلاق طريق الاستيراد من تركيا. ومع ذلك، أثارت المستوردات التركية جدلا جديدا، بعد ثبوت تورط الكثير من السلع بحالات تسميم المستهلكين المحليين، ليتحول الموقف الاستهلاكي من البضاعة التركية من النفور إلى التخوف والريبة، بموازاة وجود هذه السلع على رفوف العرض في السوق!.

«مارد» الصناعة السورية

 في ذلك الوقت، لم تكن حلب، عاصمة الاقتصاد السوري، كحالها اليوم، بل كانت آلات معاملها لا تدور على رزقها فقط، بل وتسد "الثغرة" التي تركها الحصار الاقتصادي. لكن انقطاعات جديدة سجلت في السوق، حينما دخلت إلى حصيلة أخبار الأزمة السورية، رزمة الأنباء التي كانت تشير إلى قطع طريق حلب مع بقية المحافظات، من جانب الميليشيات المسلحة، ومعها - تلك الأخبار -انقطع الإمداد الصناعي والسلعي، الذي كانت عاصمة الاقتصاد تؤمنه رغم الحصار.

 وفي هذا الغضون، كان عنوان المرحلة هو انتعاش الصناعة المحلية لناحية الرواج بين المستهلكين، وأصبح الاعتماد عليها، أمرا ضروريا للغاية، ولا يمكن تجاهله، بعد سنوات "الجفاء"، و"التواكل" على المستورد فقط لأنه مصنّع في الخارج، وهذا كله، قبل أن ينصب تركيز تسخين الأجواء الأمنية في البلاد، على حلب، وتحويلها إلى "مدينة منكوبة" بعد تغلغل الميليشيات المسلحة فيها، وسيطرتها على عدد من أحيائها، ما أدى إلى إيقاف شرايين قلب الصناعة المحلية، ليزيد نهب المصانع الحلبية، ونقلها إلى تركيا عبر طرق التهريب، في تفاقم المشكلة.

ما هي البضائع التركية في أسواقنا "أشياء كثيرة"؛ تجيب مصادر متخصصة في سبر وجرد السلع في السوق، وتعمل هذه المصادر لدى دوائر صناعية غير حكومية. وتشير المصادر إلى أن الغائب الرئيسي من البضائع التركية، عن عرض السوق، هو المفروشات، لأن مستوى القيمة الشرائية لدى المستهلك، قد انخفض بشكل عام، لكن الغذائيات والملبوسات، يأتيان في مقدمة البضائع الموجودة في السوق المحلية، وما زالت تنافس وبشدة.

وتفسر المصادر، أن قدرة تلك البضائع على المنافسة، جاء بعد أن سنحت لها هذه الفرصة، بعد الارتفاع الكبير في أسعار نفس المنتج، المصنّع محليا، الأمر الذي لم يترك فسحة كبيرة لدى المستهلك للمفاضلة بين النوعين، خصوصا وأن لهذا الأخير، "ماضٍ" طويل من العلاقة الشرائية مع المنتج التركي.

«من غير مطرود»

قرار جديد برز إلى الساحة، حينما ألزمت الحكومة في شباط من العام الفائت 2014، البضائع التركية بضريبة 30 %، لإعادة إعمار القرى الناشئة، الأمر الذي يفهم منه مبدئيا، أن البضائع التركية غير مرغوب بها معنويا، وإن كان وجودها في السوق أمرا واقعا، فلابد من الإفادة منه عن طريق الضرائب والرسوم، بدلا من بقاءها كـ"سنجق عرض" في طريق انتعاش السلع المحلية.

وفي نفس الجانب، برزت تيارات تجارية في تركيا، تحمل إردوغان مسؤولية اختناق التصدير التركي، إلى سورية، ليبدأ طريق الاستيراد من تركيا، وطريق تهريب البضائع التركية بأخذ اللون الباهت بعد نشاط ملحوظ، ويستمر طريق تهريب المصانع السورية المنهوبة، إضافة إلى الآثار والنفط وكل ما "خف حمله وغلا ثمنه بالدولار"، إلى تركيا، بالعمل رغم كل شيء، ويصبح ذلك، العلاقة "التجارية" الوحيدة القادرة على تجاوز الحدود المغلقة بسبب الأزمة، والتي تفتح أبوابها بأيدي الميليشيات المسلحة، لتمرير المواد المنهوبة.

صوت حلبي عالي

يؤكد فارس الشهابي، رئيس اتحاد غرف الصناعة، أن ما قيمته 150 مليون دولار تمرر يوميا إلى تركيا، من البضائع المنهوبة، ما بين قمح وقطن ونفط، ومنتجات صناعية وآثار، ومن هذا الباب، فأصبح الوجوب بمحاربة تركيا اقتصاديا، ضرورة قصوى، ومقاطعتها تجاريا "أضعف الإيمان".

وأيضا، فإن خطوات اقتصادية رادعة، هي جزء من المعركة الشاملة التي تخوضها سورية، للبقاء، في خضم الإرهاب الذي يضربها من أكثر من جانب، وتلك الخطوات الرادعة، والتي يعتقد بها أرباب الصناعة المحلية، وإن تأخرت، فهي خير من ألا تأتي أبدا، وإلا فإن الاقتصاد في مهب الريح.

على غرار «إسرائيل»

ولإحياء القضية القديمة، بوضع حد للتمادي التركي في حق الاقتصاد المحلي، التي علت عليها غبار الأحداث، يعود رئيس الصناعة، ليرفع مطالبات بمقاطعة تركيا على غرار مقاطعة "إسرائيل"، وتشكيل مكتب لهذا الأمر.

من هذه الدعوة بالذات، يثبت أن تأثير تركيا على الاقتصاد السوري، عدا عن تأثيرها في الشق الأمني، خطيرا للغاية، الأمر الذي دفع بهذا الموقف.

إن التفاعل، بحسب الملموس، مع هذه الدعوة، يتقاطع لدى العديد من القطاعات الاقتصادية، التي تعاني الضرر، وتحاول تدارك التداعيات بأي شكل، حتى وصل الأمر لدى الكثير من الفعاليات، إلى تشبيه الممارسة التركية تجاه الأزمة السورية، على الجانب الاقتصادي، بـ"مص الدماء"، العملية التي أنهكت جسد الاقتصاد المحلي، وجعلته نحيلا للغاية، ويمكن وصفه بأنه من نواحي الصناعة، وارتباطاتها بالتصدير والتجارة، أصبح "جلدة وعظمة".

«فشّة خلق» أم جدوى

السؤال المهم في هذا المكان، وبعد السرد السابق، لسلبيات "الغزو" الاقتصادي التركي، هو هل أن المقاطعة التي ترى فيها الفعاليات الاقتصادية، وأربابها، ضرورة واجبة، هي مجرد "فشة خلق"، أم خطوة ذات جدوى اقتصادية كبيرة. عام 2013، حققت الصادرات التركية أعلى قيمة لها على الإطلاق، منذ ثمانينيات القرن الماضي، حينما باعت بـ 403.5 مليار دولار، وفي هذا الخبر يجب التوقف، عند أمر غاية في الخطورة، هو أن الصادرات الصناعية، وللمرة الأولى في تركيا، تنتعش بشكل بارز، وتحقق طفرة على حساب الصادرات الزراعية، وهذا التطور غير المسبوق، اعتبر من قبل عرابي الاقتصاد في تركيا "تغييرا ملموسا في هيكل الصادرات".

واقتصاديا، فإن التغيير في الهيكل، لاسيما ميل كفة الميزان إلى جانب الصناعة، يعني تحول تركيا إلى دولة صناعية حاضرة على المستوى الدولي، وهذا التحول لم يتحقق خلال زمن سياسة (تصفير المشكلات).

لم تستطع تركيا، تحقيق هذا التحول خلال فترة العلاقات الودية المفتوحة مع مختلف الأطراف في الماضي، رغم أنها كانت تحاول جهدها منذ عام 1990، واستفادت بشكل ملحوظ من تأسيس الاتحاد الجمركي الأوروبي عام 1996، لكن كل ذلك، لم يفلح بجعل الصناعة، تسبق الزراعة إلى أسواق العالم، إلا في عام 2013.

مصائب هنا وفوائد هناك

إذا كان عام 2013 قد حقق للصادرات التركية زيادة بنسبة 4%، فإن عام 2014 حقق مزيدا من الزيادة بنسبة 4.09، وبما قيمته 157 مليارا و762 مليون دولار، بموازاة انخفاض في المستوردات بنسبة 3.71%، وانخفض عجز التجارة التركية بنسبة 15.51%، وتظهر الصناعة هنا لاعبا رئيسيا في هذا المجال، وهو أمر كان يمثل حلماً لدولة، تعتمد في اقتصادها على السياحة والزراعة.

في هذه الأثناء، كان مؤشر ربحية الاقتصاد السوري، في انخفاض مستمر، بدء بعد انتهاء عام 2010 الذي حققت فيه الصادرات السورية نموا بنسبة 17.12%، وحتى 2014 كان "الترهل" العنوان الأبرز، ولولا الزراعة وصادراتها، لأصبح الاقتصاد بشكل كامل في "خبر كان".

يد واحدة لا تصفق

وإذا كان من المعلوم، أن الزراعة بلا صناعة تبقى مادة خام، وهو أمر يعتبر "بدائيا" في الأعراف الاقتصادية، فإن يد الزراعة لوحدها لا يمكن أن "تصفق"، طالما أن الصناعة ما زالت غائبة عن الوعي، ومصانعها قد تعرضت لعملية "ترانسفير" أو تهجير قسري إلى تركيا، بعد أن تحولت منشآتها في الغالب، إلى "ثكنات" للميليشيات المسلحة. ولذلك، يمكن اعتبار أن "سلاح المقاطعة" ليست ترفا، بل خطوة في الطريق إلى إعادة تصحيح المسار الاقتصادي، الذي في رأس هرمه وضع الاقتصاد، وقاعدته هي قيمة العملة الوطنية، بارتباطات متشابكة ومعقدة جدا.


الكلمات المفتاحية: تركيا حلب

أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]