«البالة» ملاذ محدودي الدخل مع حلول الشتاء.. محاربة حكومية والتفاف على القوانين

«البالة» ملاذ محدودي الدخل مع حلول الشتاء.. محاربة حكومية والتفاف على القوانين

رابط مختصر


المصدر: عاجل - نيرمين فرح
القسم: تحقيقات
19 تشرين الثاني ,2014  15:06 مساء






"بالة".. مصطلح قد يحمل شيئاً من الانفراج النفسي لأصحاب الدخل المحدود مع حلول الشتاء ووطأة أعبائه المادية على جيوب المواطنين التي ما عادت قادرة على الصمود في وجه النيران التي اشتعلت في السوق السورية للألبسة الجديدة، فمن المحتمل أن يعادل سعر قطعة ثياب جديدة أو حذاء جديد نصف الراتب أو أكثر، وهو أمر لا يحمل الأمر أي مغالاة، لتغدو أسواق الألبسة مخصصة لطبقة معينة أصحابها من ذوي الدخل المرتفع.

وعلى الرغم من التصريح الرسمي بعدم شرعية "البالة"، إلا أن البضاعة الأجنبية المستعملة موجودة في السوق بشكل صريح على البسطات وفي المحال مع عدد لا بأس به من الزبائن، ومع تنصل العاملين في المجال من الإجابة الصريحة عن كيفية دخولها وتوزيعها تبقى البالة المخرج الوحيد من أزمة اللباس الجديد باهظ الثمن.

بين الجهات المسؤولة والتجار.. البالة تضيع شرعيتها 

يؤكد الدكتور عبد السلام علي معاون وزير الاقتصاد لشؤون التجارة الخارجية عدم قانونية البالة وأن "أحكام التجارة الخارجية تمنع استيراد الملابس المستعملة لأسباب بيئية وصحية" ولدى سؤاله عن سبب وجود هذه البضاعة في الأسواق، اعتبر أن الأمر منوط بمديرية حماية المستهلك في حين صرح المكتب الصحفي  في مديرية حماية المستهلك أن المديرية تتابع وتتخذ الإجراءات مختلفة لمنع وصول البالة للأسواق من خلال الجهات المعنية منوهين أن دوريات المديرية قامت بتنظيم العديد من الضبوط بحق المخالفين فيما يخص هذه المواد ووفقاً للقوانين والأنظمة ولكن على ما يبدو أن عدد هذه الضبوط ضئيل جداً بالمقارنة مع أسواق البالة المنتشرة في الشوارع  على حسب شرح احد الخبراء في قوانين حماية المستهلك موضحا أن دور المديرية هو مراقبة ومطابقة السعر مع  المواصفات المعلنة للسلعة حيث لا تتجاوز عمل المديرية أكثر من ذلك أي بمجرد دخول البالة إلى السوق لا تخضع إلى أي مراقبة.

بمقابل ما سبق، يؤكد أحد تجار البالة "أنهم يملكون ترخيصا رسميا بفتح محل ملابس مستعملة ويعمل به حتى الآن مع دوريات التموين ".

 

تهديد للصناعة السورية

يرى د.علي أن البالة تشكل "تهديدا على الصناعة السورية، وخاصة في مجال الألبسة التي تعاني صناعتها اليوم من غلاء تكاليف الإنتاج، وخروج أغلب المصانع وخاصة المتركزة في حلب عن العمل، وعوامل أخرى كتحويل القطع وغلاء سعر الصرف وتراجع عدد الأيدي العاملة". 

ويؤكد الفكرة محمد الذي يعمل بائع ألبسة في سوق الصالحية حيث أن "تأمين البضاعة داخلياً بات مكلفاً جداً، والاستيراد يرفع الأسعار إضافة إلى معوقات أخرى كزيادة تكلفة المحال التجارية وضعف القوة الشرائية للمواطن ما يجعل سوق الألبسة المستعملة الأجنبية وغيرها منافساً لا بأس به"، مشيرا إلى البسطات المنتشرة قريبا من محله.

مقارنات

بالنسبة لكثير من مرتادي سوق البالة ومستعمليها، فإن البضاعة الأجنبية هي الأجود، وهو أمر مرتبط بالذهنية التي تعتقد أن صناعة الأجنبي هي الأفضل دائما، وبمعيار آخر، تتفوق البالة على المنتج المحلي الموجود في الأسواق اليوم بانخفاض الأسعار، ففي حين يصل سعر المعطف الشتوي الجديد في سوق القصاع  مثلا من 6 الى 10 آلاف ليرة، قد يكون سعره في البالة 3 آلاف ليرة ومادون تتفاوت حسب الجودة والخامة.

أما الكنزات الصوفية وغيرها فتتراوح أسعارها ما بين 300 الى 1000 ليرة في حين تصل في السوق الجديدة الى 5000 ليرة، ويعادل سعر حذاء البالة نصف ما هو عليه إذا كان جديدا وبجودة افضل، حسبما يرى كثيرون ممن يرتادون البالة.

تقول شيرين طالبة حقوق إنها تجد الأنسب لها في البالة وبسعر أرخص وإمكانية التفرد بما ترتدي، وهو الأمر الذي يجعلها تشعر ألا مشكلة في كونها ألبسة مستعملة، فالمهم أنها تستطيع شراء كل ما ترغب به، فيما يقول أبو سمير الموظف إن لديه خمسة أطفال ويشتري أغلب ملابسهم من البالة حيث أن أسعار السوق "خيالية" ولا يمكن مجاراتها.

على النقيض من ذلك، تجد لورا موظفة في بنك أن فكرة شرائها لملابس البالة "شيء مقزز" ولا تحتمل فكرة شراء قطعة ثياب سبق لأحدهم ارتداءها، وتفضل دفع مبالغ طائلة مقابل ذلك.

 

التفاف على القانون

يشكل الاعتراف بتفاصيل تجارة البالة خطا أحمر لأغلب العاملين فيها من أصغر بائع بسطة إلى تجار قدامى في السوق، فوجودها في معظم الشوارع الشعبية في العاصمة يأتي بعد خطوات التفافية على قوانين التجارة الخارجية، وهو الأمر الذي يوضحه محمد أحد تجار سوق البالة  في منطقة الإطفائية بدمشق، فيفشي أن أحد أسرار هذا الالتفاف على القوانين اعتبار الألبسة الموجودة وطنية مستعملة مع نزع أي علامة توضح مصدرها، واستغلال الفساد لدى بعض القائمين على الدوريات التي تجول الأسواق.

السماح بالبالة

يطالب أغلب رائدي البالة ومقتنيها السماح بها علناً لتتحسن - كما يصفها محمد - نوعية البضائع وجودتها وأسعارها، حيث يبين أن ما يدخل من ملابس إلى سوق البالة يتراوح بين النوع الثاني والثالث في الجودة، بينما يذهب النوع الأول إلى الأسواق الأوربية والأجنبية والرابع والخامس إلى افريقيا، وعند السماح باستيراد شرعياً يرتفع المستوى ويقل السعر على حد تعبيره.

إلى أن تجد الجهات المعنية حلاً لهذه المشكلة، والممارسات الالتفافية على القوانين، فإن معظم المواطنين السوريين يظلون يتعاملون معها كإحدى الحلول الإسعافية التي تؤمن لهم الدفء خلال شتاء يزيد قسوته غلاء الأسعار الذي يرخي بظلاله على معظم تفاصيل حياتهم.


الكلمات المفتاحية: البالة الصناعة السورية

أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]