التأشيرة الملزمة ترقص على مزمار الأسعار.. ودراسة الأمر الواقع أقصى ما تستطيعه «الاقتصاد»

التأشيرة الملزمة ترقص على مزمار الأسعار.. ودراسة الأمر الواقع أقصى ما تستطيعه «الاقتصاد»

رابط مختصر


المصدر: ابراهيم حريب - شبكة عاجل الإخبارية
القسم: تحقيقات
14 أيار ,2012  18:45 مساء






لكن بعد صدور أول نشرة أسعار ظهرت على أنها قراءة لحال السوق ليس إلا، لتزيد بين الحدين الأعلى والأدنى التي وضعتها التأشيرة لأسعار السلع الأساسية من معاناة المستهلك وزيادة «جفاف» قدرته الشرائية، فاستمر «القحط» مسيطرا على واقع الاحتياجات التي ينالها عموم المستهلكين.

ومن هنا أصبح الكلام لصالح المستهلك، والفعل لصالح التجار، الذي ما زال إلى الآن يتذرع بارتفاع سعر الصرف للعملات الأجنبية خصوصا الدولار مقابل الليرة السورية، في الوقت الذي يتساءل فيه المستهلك عن خواء هذه الذريعة بعد انخفاض سعر الصرف، ولا يرى فيها سوى «قشة» التاجر التي قصمت ظهر بعير قدرته الشرائية.

 

تحرير الأسعار.. «الدِوار» عند أول تحدٍ قاسي

خلال 12 عاما تقريبا مضت على تحرير الأسعار من قبل الحكومة، وتركها لمحددات العرض والطلب اليومية، تكشفت حقائق السوق لدى أول امتحان قاسي لها، وهنا ضاعت «طاسة» المسؤولية، فاتهم التاجر الدولار بالتسبب في الأزمة، واتهم المستهلك التاجر بافتعالها، لتقف الحكومة ممثلة بوزارة الاقتصاد أولاً على شفيرين.

ومن شفير تآكل القدرة الشرائية للمستهلك أمام تعالي الأسعار، انطلقت وزارة الاقتصاد لمعالجة توتر العلاقة بين العارض والمشتري، فشكلت لجنة اقتصادية لدراسة واقع السوق وإصدار تأشيرة سعرية ملزمة بهدف ضبط الأسواق، وكل ذلك لأجل الحد من تصاعد التوتر بين السوق والمستهلك.

 

طبيعية في ظروف استثنائية

ترد الأوساط التجارية حال الغلاء التي تسيطر على السوق المحلية منذ نحو أكثر من ستة أشهر إلى الأوضاع الأمنية التي تشهدها البلاد، وذلك لتخوف التجار من نقل بضائعهم عبر الطرق بين المحافظات، والسطو الذي تتعرض له القوافل التجارية من قبل الجماعات المسلحة، الأمر الذي فاقم حالات الاحتكار بعد جنوح البعض إلى تكنيز بضائع معينة وتقطير السوق فيها، ما رفع أسعارها إلى مستويات قياسية.

كما أن للعقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي ودول عربية أثر يحتج به التجار لرفع أسعار بضائعهم في السوق، مع التباهي في أنه رغم الحصار فإن السوق المحلية لم تشهد أي انقطاع في السلع الأساسية والضرورية وحتى المكملة، وفي المجمل فإن جميع السلع كانت تحتمي في لهيبها تحت مظلة ارتفاع الدولار، الذي سبق له وإن شهد ارتفاعا محموما في سعر صرفه، حتى مستويات وصفها رئيس اتحاد غرف التجارة غسان القلاع بالوهمية، للتلاعب بأسعار السوق وخلق أزمة اقتصادية.

 

الاحتكار.. غياب في النظامي، وظهور في السوداء

لكن ملاحظات المستهلكين سجلت في أكثر من مرة غيابا لبعض السلع في السوق النظامية، لتظهر في السوق السوداء بأسعار مضاعفة أو أكثر، كما حصل في مادة المتة التي انقطعت لفترة أيام حتى ظهرت على البسطات بسعر مرتفع إلى الضعفين عن سعرها النظامي.

وإذا كانت المتة ليست من السلع الأساسية، لكن أحدا لم يستطع نكران ما تركته من بلبلة في حديث الرأي العام بعد غيابه، بل والأكثر من ذلك أنها أشارت بأصابع الاتهام إلى عمليات الاحتكار وتحقيق مكاسب مضاعفة من خلال توزيعها للسوق السوداء ومنعها عن السوق النظامية.

وما هو أهم من ذلك، فقد عجزت الجهات المعنية لفترة شهر أو أكثر عن تحديد أسباب الغياب، لتسود التكهنات أوساط السوق وتتلاعب بأوضاعها، مع وعود لم يتمكن من تحقيقها عن تأمين السلعة بسعرها النظامي الذي كان بحدود 35 ليرة، ولم تفلح محاولات ضخها عبر المؤسسة العامة الاستهلاكية، حتى عادت المادة للظهور بسعر مضاعف أقرته وزارة الاقتصاد من خلال دمغة السعر على العبوة، ما يعني أن الاحتكار نجح في هذه الحالة من انتزاع مضاعفة لسعر السلعة.

أما الرز والسكر، فمن خلال مصادر شبكة عاجل الإخبارية الخاصة في السوق، فقد كان يتم تحبيس هاتين المادتين عن الضخ في السوق في أيام معينة بانتظار جلاء  الموقف حول سعر صرف الدولار في السوق السوداء، الأمر الذي أصاب عمليات العرض والطلب في سوق هاتين المادتين بعثرات، حتى وصلت أسعارها بالمفرق إلى مستويات قياسية هي الأخرى.

 

خمس تأشيرات والأسعار ترقص «الهوارة»

أصدرت اللجنة الاقتصادية حتى الآن خمسة تأشيرات تسعيرية، نالت نقدا دسماً من قبل الوسائل الإعلامية والمستهلك، حيث لم تفلح حسب قراءة السوق والنزول في جولات عليه، بقهر الغلاء وتخفيض السلع.

فبقي ظهور النشرات الخمس عند حدود مماراة التجار، ليلتفت مسؤولون في وزارة الاقتصاد ولجنة تحديد الأسعار إلى الشكوى من لظى النقد ومحاولة تقنين العادات الشرائية، حتى وصلت مطالبات معاون وزير الاقتصاد المهندس عماد الأصيل إلى تبديل البندورة بالملفوف بس غلاء سعر الأولى، وعلى هذا المنوال أصبحت العادة في التأشيرة السعرية التي تصدر كل أسبوع لتضع حد أعلى وآخر أدنى يمكن بينهما المراوحة على ساحة الغلاء خلاف ما يرضي حاجات المستهلك، ويستطيعه دخله الشهري.

 

التقشف على «الزيت والزعتر»

وطالما أن الحديث عن العادات الشرائية، فقد دعا معاون وزير الاقتصاد عماد الأصيل إلى استبدال بعض الغذائيات بالزيت والزعتر، واستعان في الاجتماعين الرابع والخامس لتحديد التأشيرة السعرية بعدة تنبيهات صحية عن عدم فائدة البندورة في الشتاء، وكان ظهيره في ذلك رئيس اتحاد غرف التجارة غسان القلاع الذي ألمح إلى زيادة «دلع» المستهلك، لتتفتح قريحة الحلول التقشفية فدعا في مداخلته الأخيرة المواطنين إلى عدم أكل الخضار والفواكه، مستغربا في نفس الوقت اعتماد الأمهات على الفوط للأطفال.

ومع كل ذلك، لا يبدو أن أمام المستهلك سوى سلاح المقاطعة مع غياب المسيطر الحقيقي على السوق، وبقاء وزارة الاقتصاد تراوح مكان الدراسات التي أقرت بأن الاحتكار والتلاعب في الأسعار أصاب القدرة الشرائية لزبائن السوق المحلية بالعجز.

أما المخاوف الكبرى، فتدور حول عملية «توطين» الغلاء وتشريعه، وأنه لن يكون حالة طارئة كما يحاول الترويج لذلك مسؤولو التجارة الرسميين وغيرهم، خصوصا بعد اعتراف الاقتصاد بالمغالاة في التسعير ضمن تأشيراتها، التي يقول عنها المستهلكون أنها نزلت على قلوبهم بطريقة «دجني دجتك العافية»، ونزلت على قلوب التجار كالثلج في «عز الحر».

وباء الأسعار وبلاء الصحافة

كان لافتاً شكوى مسؤولي التجارة والاقتصاد في الحكومة و غرف التجارة من شدة الصحافة وقسوتها في موضوع الغلاء، حتى أن آخر اجتماع عقد لإصدار النشرة التسعيرية، تحول إلى محاضرة في مبادئ الصحافة ألقيت على مسامع من حضر من ممثلي الوسائل الإعلامية، وتعدى ذلك إلى توجيه الوسائل الإعلامية نحو ما اعتبره أؤلئك المسؤولون أهم من قضايا الأسعار ووضع الإجراءات الحكومية وتصرفات التجار في مقلاة النقد الصحفي، كدوام العاملين في الأفران كما جاء على لسان معاون وزير الاقتصاد.

والسؤال المفتوح هنا، هل يمكن اعتبار دعوات هؤلاء دليلا على فراغ جعبتهم من أي حل، أو أن  قضية الرأي العام «الغلاء» لم تعد تعنيهم، أو أعيتهم دون جدوى، وعلى السوق أن تقبل بالغلاء كشهبندر جديد يحل ويحرم فيها كيفما شاء.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]