وحدن.. الإستثناء من الإستثناء

مقالات متعلقة

وحدن.. الإستثناء من الإستثناء

رابط مختصر


المصدر: عاجل - ندى السماوي
القسم: فنون
16 حزيران ,2018  17:18 مساء






نغمة معزوفة بأنامل الأنوثة جاء مسلسل وحدن، جاء لحنا عذبا إنسانيّ الأثر والعمق رُغم تذبذب النّوتات نزولاً بفعل الهموم باتجاه الحزن وصعودا بفعل الظّروف باتجاه التّمرد، واستطاع بهذا سحب البساط من تحت أقدام المتشائمين بموسم دراميّ سوريّ رفيع المستوى.
وحدن هو باكورة الكاتبة ديانا كمال الدّين الدّرامية, ووقّع على لغته البصرية المخرج نجدة اسماعيل أنزور وهما معاًفي العمل لم يبحثا عن الوجوديّة بطريقة تسويق ما هو ممنوع , كَون الممنوع في مجتمعاتنا الشّرقية مرغوبا، بل فرضا وجود عملهما المشترك من خلالتقويم طروحات الواقع التي سلفَ ورأيناها في الدّراما السّورية بشكل عام فأعدّاهَا لتكون منابر حُرّة لأفكار استنارة ضروريّة وانفتاح صار يحكمه الوجوب في محاولة لردم الفجوة الكائنة بين الموروث من عادات وتقاليد مُتعلقة بالمرأة وتُدينها في أغلبها وبين روح العصر الحالي.
العمل يقدم حبكة دراميّة استثنائيّة وبعيدة عن كلّ ما أصبح تقليديّا اليوم في الدّراما السّورية _برغم مغالاته أحيانا_، فتَقَاسَمت العمل الأجواء الإجتماعية المُكثّفة لمجتمع مُصغّر وهو القرية مع التأثير السّياسي للأزمة السّورية
وهذا من خلال امتزاج الواقع مع الخرافات المتداولة وأحاجيها وألغازها، كلّ يوم أطروحةُ حلولٍ جديدة تواكب الإشكاليات المتسارعة وذلك حسب الأولويّات المفروضة علىنساء قرية اختفى رجالها بغموض يَقود الأحداث تصاعديّا باتجاه ألمٍ يُرافق العجز والخوف من المجهول وقهرٍ يَتعاظم لحظةَ خسارةِ الأمل, لحظة اليقين بخسارة السّند (الرّجل) التي تودي بمُجملها إلى صدمة تُولّد تمرّدا خاصا  يُولّد قناعات جديدة لا بُدَّ منها للمواجهة بأقلِّ الخسائر.
(وحدن) من الأعمال النّادرة اليوم التي ترصد قيما أصبحت مفقودة في واقعنا وبالتالي مفقودة في انعكاساته التي تُعدُّ الدّراما إحداها , ولعلّ أهمّ تلك القيم المرصودة هي التّعاون والعمل والمودّة ويسبقها جميعا الحبّ بكلّ أشكالهيطرحها صنّاع العمل من خلال القصّة أو القصّة ضمن القصّة وهي الخطّ الرّديف للحكاية الأصليّة والتي تعمل على تحفيز عنصر التّشويق من خلال معلومات تُقدّمها القصّة الخرافيّة لمستمعيها الواقعيّين فيستثير لديهم نوازع الشّك بأصل المشكلة وبحلولها, القصص الثّلاثة التي واكبت العمل على لسان الشّخصيات منذ البداية وحتّى ما قبل النّهاية هي (الأمير) الذي يتكلّم بلغة صرير الباب , و(ستّ الزّرنيخ)كبيرة القرية التي خطّطت لقتل الرّجال بالزّرنيخ حين طغوا واستبدوا بنسائهم, و ( الحكيمات الإثني عشر ) التي عَرَّت الحقائق وقادتنا إلى ذروة الألم في مواجهة المجهول, انسجمت القصّتين بسلاسة وَفّرتْ للمتعة أرضاً أكثر خصوبة وذلك من خلال صورة غاية في الجاذبيّة والتّناسق وحوار عميق إنسانيّا, أغلبه شاعري يحتوي كميّة كبيرة من العِبَر والحكمة موظّفة بشكلها المناسب لخدمة الحدث وإيصال الرّسائل الضمنيّة للمُتلقّي بالمقولة المقصودة مع موسيقى أضفت سحرا على أجواء الحكاية وكرّست طقوسها، ولعلّ البعض وَجَدَ في مقولات العمل ندّيّة حادّة مع الرّجل أو حقدا عليه خاصّة مع شيوع استعمال عبارة (الزّوج المنيح هوي الزّوج الميّت) هذا الإتهام لن يعنِ شيئا لمتابعي العمل منذ بدايته ولفاهمي مقاصده , إذ أن العمل لم يسعَ للإجحاف بحقّ الرّجل , بل للتأكيد على أهميّة دوره إنْ لعب دوره بحياة نساءه بالشّكل الصّحيح.
كثيرةٌ جدا مقولات العمل وإسقاطاته البارعة, كما في تضامن أهل القرية في ردود أفعالهم إزاء الأخطاء ومحاسبتها كما جرى مع شخصية سمعان حين قُيّدَ على الشّجرة ورُميَ بالأحذية من جميع أهل القرية بلا استثناء، وكما إسقاطات الحلقة 25  حين أخذتنا أحلام النّساء مع كلّ رشفة ماء , وأفقنا معهنّ حين شربت (حوريّة) ولم تحلم، هي التي لا تؤمن بالأحلام، شربت الماء على أمل أن تحلم لكنّ يد الغدر كانت أسرع من أصابع الأحلام إليها، أمّا في إسقاط الحلقة 27 حين هَجمتْ جميع النّساء على كوب ماء واحد في حلم سلمى وتصارعنَ عليه حتّى انسكب الماء فقد أشار إلى سوء طبيعتنا البشريّة التي تُفضِّل مصلحتها على صوت العقل والعاطفة معا، ولعلّ أجمل الإسقاطات هي تلك التي تجسّدت فوق رقعة الشّطرنج في الحلقة 29، حين تجادلت النّقائض في رقصة بوح تَوّجَها حوار سلمى وسميح، وغيرها الكثير من الإسقاطات الواضحة والمُتَضمَّنة في حوارات الشّخصيات التي أبدَعَتْ كاتبتها بخلقها دون تشابه برغم بلوغ عددها 45 شخصيّة نسائيّة أدّتها صاحباتها بحبّ وإتقان وَصَلا إلى المُتلقّي بأبهى صورة تمثيليّا، ولعلّ أكثرها تأثيرا شخصيّة الفنانة تماضر غانم (حوريّة) بتقمّصها للشخصيّة بشكلها المذهل وحِسّها الفُكاهي الذي قَدّمَ كوميديا الموقف بشكلها الصّحيح, هذا وقد أبدعت الفنانات: ندين خوري، أمانة والي، لمى حكيم، لوريس قزق ورباب مرهج بملامسة مكنون قهر الشّخصيّات وإيصاله لنا، كما وأبدعت باقي شخصيات العمل النّسائية دون استثناء, الأمر الذي لا ينطبق على الشّخصيّات الذّكوريّة بكاملها بل يقتصر على الفنّانين المبدعين: لجين اسماعيل, عامر علي, جهاد الزّغبي, مجد فضة, طارق نخلة.
وحدن تأكيد على حقوق المرأة وقدراتها وحاجتها للحبّ والحنان من قبل رَجُل يُدركُ قيمة عقلها وعاطفتها وجسدها وحدن من إنتاج شركة سما الفنّ في أولّ تعاون فنّي مع الكاتبة كمال الدّين والمخرج أنزور استطاعوا من خلاله تَبَوؤ المكانة الأهمّ على الخارطة الرّمضانية وما سيليه لعام 2018 و أعاد شرف الدّراما السّورية الذي كان مرهونا لرؤى من لا بصيرةَ لديه,وهذه كانت ولا تزال مشكلتنا،(مشكلتنا بالجهل، لكن ما فيه جهل؟)
آملين لصنّاع العمل مسيرة أبهى في بهو الدّراما السّورية مستقبلاً يُضيئهُ أعمالٌ قادمة كـ وحدن.


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]