مصنع غاز جديد للدعاية الغربية.. من الكيماوي السوري لقضية سكريبال

مصنع غاز جديد للدعاية الغربية.. من الكيماوي السوري لقضية سكريبال

رابط مختصر


المصدر: عاجل - مواقع
القسم: مقالات مترجمة
29 آذار ,2018  17:38 مساء






يجب الاعتراف أن عشق الدعاية الغربية للغازات السامة أمر مذهل وساحر، ابتداءً بهجمات الحكومة السورية الكيماوية الخيالية وصولاً إلى التسميم المزدوج الذي حدث في مدينة سالزبوري يتميز الموضوع الاتهامي بالتكرار، ويتميز سوء النية لدى حلف الناتو بثباته.
يتمّ العمل على إقناعنا من خلال "قضية سكريبال" أن موسكو حاولت اغتيال جاسوس روسي سابق وابنته على الأرض البريطانية، أين الأدلة؟ لا يوجد أدنى دليل. لا شيء يثبت أن غاز "نوفيتشوك" قد تمّ استعماله في محاولة القتل هذه. إن أفضل طريقة لمعرفة ذلك هي إرسال عينة إلى المكتب الدولي للأسلحة الكيماوية، لكن لندن امتنعت عن ذلك.
مع ذلك، فإن الروس قالوا على الفور إنهم مستعدون للمشاركة في أي تحقيق دولي، لكن البريطانيين لم يرغبوا بذلك. لماذا؟ من غير المجدي هذا السؤال. بسبب عدم وجود أدلة مادية، فإن سماكة الملف الاتهامي تعادل سماكة ورقة سيجارة. بعد أقل من أسبوع على الحادثة، وفي ختام التحقيق المزعوم، أعلنت الحكومة البريطانية أن روسيا هي المذنبة. إن هكذا تسرّع هو أمر مخجل لأية هيئة تحقيق قضائية تعمل بشكل طبيعي. إن الأمر الأكثر من مريب هو أن الاتهام المعادي لروسيا قد تمّ ترتيبه في الغرب بضراوة شديدة تلامس التعمّد وعن سبق الإصرار. يجب جرّ روسيا إلى الوحل. تم ذلك، بفظاظةٍ لا سابق لها.
تمّ العثور على سيرجي سكريبال، العقيد السابق في الاستخبارات العسكرية الروسية، وهو فاقد الوعي على مقعد، وبجانبه ابنته كذلك، بالقرب من مركز تجاري في مدينة سالزبوري. تصرّف غريب من قبل جهاز استخبارات! إن "طريقة التنفيذ" التي تنقصها الاحترافية تثير الشكوك حول تورط هذه الاستخبارات. السؤال من هو سكريبال، بالضبط؟ تم تجنيده من قبل الاستخبارات البريطانية سنة 1995 كعميل مزدوج، حكمت عليه روسيا بالسجن لمدة 13 عاماً بتهمة الخيانة سنة 2004. خلال عملية تبادل لعملاء الاستخبارات بين روسيا والولايات المتحدة، حصل سكريبال على لجوء في بريطانيا سنة 2010. لماذا إذن تقوم روسيا بتصفية هذا المتقاعد الذي يعيش يهدوء؟ لا شيء يدلّ على أن هذا المنفي منذ ثماني سنين يحتفظ بأسرار محرجة، أو أنه يشكّل أدنى خطر على روسيا.
إضافةً إلى انعدام الأدلّة المادية، فإن غياب الدافع يجعل من الاتهام الغربي مثيراً للسخرية. ولكن لم يحصل ذلك. لأنه بالنسبة للغربيين، فإن الصراخ والنباح: قاتل، يعادل إثبات الجرم. المشكلة، هي أن هذا الغرور يخفي الأمر الجوهري بصعوبة وهو أن: تيريزا ماي وزملاءها يكذبون بكل وقاحة. فمن ذا الذي يصدق أن السلطة الروسية قامت بتصفية عميل سابق لها على أراضي دولةٍ من أهم دول حلف الناتو، في الوقت الذي يسود فيه العلاقات مع هذا الحلف توتر لا سابق له؟ من ذا الذي يصدق أن هذا القرار، المستبعد أصلاً لجهة الدوافع والفظ لجهة طريقة التنفيذ، قد تم اتخاذه قبل خمسة عشر يوماً فقط من الانتخابات الرئاسية الروسية؟ من ذا الذي يظن أخيراً أن موسكو تقوم بإطلاق النار على نفسها على الصعيد الدولي عشية نجاحٍ باهر على صعيد السياسة الداخلية؟
إن هذا الاتهام، مثل قصور الورق، لا يصمد ثانية واحدة. ولفهم دوافعه، يجب تطبيق مبدأ الحصول على الدليل من خلال النتائج. نترك إذن مجال القضايا الغامضة وننتقل إلى ميدان الوقائع. حافظت روسيا، بالرغم من الحصار العسكري الذي تتعرض له، على برودة أعصابها، وبعض الدول الأوروبية جاهزة لكي تعاود الحوار مع موسكو. إن استفزاز سالزبوري يهدف تحديداً إلى رش الماء البارد على هذه الرغبة المترددة، إلى فصل روسيا عن أوروبا باتهام موسكو بكل الشرور. روسيا هي من تملك اليد الطولى في الشرق الأوسط الآن على حساب "إسرائيل" والولايات المتحدة. لم ترضخ في موضوع شبه جزيرة القرم، التي عادت بشكل نهائي إلى حضن الوطن الأم. والمحافظون الجدد الذين اجتاحوا السلطة في واشنطن يريدون تدفيع روسيا ثمن هذا العار المزدوج. ويقومون برصّ صفوف خدمهم التابعين، عن طريق شيطنة موسكو بواسطة لندن، في وجه العدو الموسكوفي، الذي تمّت الإشارة إليه بكلّ وضوح في استراتيجية ترامب الجديدة للأمن القومي.
هذا هو السبب في أن القرار الاتهامي البريطاني قد تمّ ترديده حرفياً من قبل جوقة المسؤولين الأوروبيين المندفعين لإبراء الذمّة تجاه التضامن الغرائزي مع محور الخير. تم وضع الاتحاد الأوروبي، ماعدا النمسا، وحفنة من الدول الصغيرة الأعضاء، في حالة الاستعداد، والذراعين إلى الأسفل. أوروبا هذه، الخادم التابع للولايات المتحدة، والتي تدعي أنها تتعرض "لتهديد" روسيا، أظهرت من جديد أنها قزم سياسي. وتنفيذاً للأمر بعداء روسيا، اصطفّت مثل رجل واحد خلف القيادة الأنغلو-ساكسونية. علينا الاعتقاد أنه ما من شيءٍ إيجابي قد يخرج من هذا الجسد الكبير الرخو، حيث فرنسا، التي كانت لها كلمة مسموعة فيما مضى، ارتكبت خطيئة الذوبان في هذه الكتلة، بفضل "القادة الشباب" الذين يقودونها لخدمة مصالح ليست لها.
بالنسبة للغربيين إذن، الوقت هو وقت المواجهة الرمزية –حالياً- مع روسيا التي أعاد لها فلاديمير بوتين عزتها. إن قضية سكريبال هي المصنع الجديد للغاز الغربي. مثلما كانت حاضنات الأطفال في الكويت، وأنبوبة كولن باول الكيماوية أو الهجمات بالغاز التي تم الزعم أن الجيش السوري قد قام بها، فإن العملية المفبركة في سالزبوري ليست سوى نفخة في البوق. يهدف مفتعلوها إلى تأبيد المواجهة السياسية والمزايدات العسكرية مع موسكو. إنهم يريدون تبرير تصعيد العقوبات الاقتصادية التي تهدف إلى عرقلة انطلاقة روسيا من جديد وقيامة عالم متعدد الأقطاب. إنهم يخططون إلى تقسيم العالم إلى كتلتين، بواسطة تدوير آلات الدعاية، كما لو أن العالم ما يزال في أيام الحرب الباردة، ولم ينجز انتقاله- بشكلٍ لا رجعة فيه- نحو الشرق. وليست مصادفة أن تتم هذه الخدعة القذرة في اللحظة ذاتها التي يتحدى فيها ترامب موسكو في الشرق السوري، ويشعل حرباً تجارية مع الصين ويقوم بتعيين جون بولتون، هذا المجنون الأهوج مستشاراً للأمن القومي.

للكاتب برونو غيغ / ترجمة: علي إبراهيم لموقع أورهاي

 


أضف تعليقاً

[ صورة اخرى ]